SPSA Church Giving (opens in a new tab)

بدع وهرطقات قديمة وحديثة · ٤٣

كيف نرد على القائلين بانبثاق الروح القدس من الآب والابن ؟

Faith Q&A ‹ مائة سؤال وجواب فى العقيدة المسيحية الأرثوذكسية ‹ بدع وهرطقات قديمة وحديثة

الجواب

● تؤمن كنيستنا أن الروح القدس ينبثق من الآب . أما الكاثوليك فيؤمنون أن الروح القدس منبثق من الآب والابن ، وقد أضافوا فى القرن الحادى عشر عبارة ( والابن ) إلى قانون الإيمان فى الجزء الخاص بانبثاق الروح القدس . وسوف نوضح خطأ المعتقد الكاثوليكى فيما يلى :

أولاً : أقوال الكتاب المقدس :

● يقول السيد المسيح فى إنجيل معلمنا يوحنا : « ومتى جاء المعزى الذى سأرسله أنا إليكم من الآب ، روح الحق الذى من عند الآب ينبثق فهو يشهد لى » ( يو ١٥ : ٢٦ ) .

ثانياً : قانون الإيمان النيقاوى القسطنطينى :

● ينص قانون الإيمان الذى وضعه الآباء على ما يلى : ( نعم نؤمن بالروح القدس الرب المحيى المنبثق من الآب ... ) .

فلا الكتاب المقدس ولا قانون الإيمان يحويان عقيدة الكاثوليك التى تقول إن الروح القدس ( منبثق من الآب والابن ) ، وهى العبارة التى ترددها الكنيسة الرومانية الكاثوليكية فى قانون الإيمان رسمياً ابتداءً من سنة ١٠٥٤ م .

اعتراضات والرد عليها :

( ١ ) الابن يرسل الروح القدس

● يحتج الكاثوليك بقول السيد المسيح عن الروح القدس : « الذى سأرسله أنا إليكم » ( يو ١٥ : ٢٦ ) . ويقولون : طالما أن السيد المسيح هو الذى يرسل الروح القدس ، فإن الروح القدس منبثق منه .

● ولكن من الملاحظ أن السيد المسيح قال : « سأرسله أنا إليكم من الآب » ، كما قال فى نفس الآية : إن الروح القدس « من عند الآب ينبثق » .

● يضاف إلى ذلك أن الانبثاق شىء ، والإرسال شىء آخر . فالانبثاق أزلى ، وأما الإرسال فزمنى .

● السيد المسيح قال أيضاً : « وأما المعزى الروح القدس الذى سيرسله الآب باسمى فهو يعلّمكم كل شىء ويذكركم بكل ما قلته لكم » . ( يو ١٤ : ٢٦ ) والملاحظ هنا أنه يقول : « الذى سيرسله الآب » . فتارة يقول : « الذى سأرسله أنا » ، وتارة أخرى يقول : « الذى سيرسله الآب » ، ولكن فى الانبثاق لم يقل سوى أنه منبثق من الآب .

● ولو كان الإرسال هو صورة طبق الأصل من الانبثاق كما يدعى الكاثوليك ، فكيف يجيبون على قول السيد المسيح فى سفر إشعياء : « منذ وجوده ، أنا هناك ، والآن السيد الرب أرسلنى وروحُهُ » ( إش ٤٨ : ١٦ ) . لو كان الإرسال لأحد الأقانيم بواسطة الآب وأقنوم آخر دائماً هو صورة من علاقة الأقنوم بالآب الذى هوالينبوع والأقنوم الآخر الذى شارك فى الإرسال ؛ فإن إرسال الابن سيكون بناءً على هذا الافتراض الخاطئ ، هو صورة من ولادته الأزلية ، وبذلك يكون الابن مولوداً منذ الأزل من الآب والروح القدس لأنه قد أُرسل من الآب والروح القدس ، وهذا غير صحيح .

● ونلاحظ تعبير « روحُهُ » في ( إش ٤٨ : ١٦ ) جاء فى صيغة الفاعل وليس المفعول به . بمعنى أن السيد المسيح قد أُرسل من الآب ومن الروح القدس . فهل لهذا ينبغى أن يكون الابن مولوداً من الآب ومن الروح القدس قبل كل الدهور ؟ أم أن الولادة الأزلية شىء ، والإرسال الزمنى شىء آخر ؟ ولا يجرؤ الكاثوليك أن ينكروا أن الابن هو مولود من الآب فقط قبل كل الدهور .

● لأن الانبثاق والولادة أزليان ، أما الإرسال فهو زمنى ( أى حادث فى الزمن ) . الانبثاق فوق الزمن ، والولادة فوق الزمن ، أما الإرسال فهو فى ملء الزمان . كقول الكتاب : « ولكن لما جاء ملء الزمان ، أرسل الله ابنه مولوداً من امرأة »( غل ٤ : ٤ ) .

● وكقول السيد المسيح لتلاميذه : « ليس لكم أن تعرفوا الأزمنة والأوقات التى جعلها الآب فى سلطانه . لكنكم ستنالون قوة متى حل الروح القدس عليكم ، وتكونون لى شهوداً فى أورشليم وفى كل اليهودية والسامرة وإلى أقصى الأرض » ( أع ١ : ٧ ، ٨ ) .

● وجاء فى سفر أعمال الرسل « وفيما هو مجتمع معهم أوصاهم أن لا يبرحوا من أورشليم بل ينتظروا موعد الآب الذى سمعتموه منى » ( أع ١ : ٤ ) . عبارة « ينتظروا موعد الرب » ، تدل على أن إرسال الروح القدس هو حادث زمنى ، وفى الآية الأولى نجد أن السيد المسيح يتكلم عن « أزمنة وأوقات » ... إن حلول الروح القدس على التلاميذ يوم الخمسين حادث زمنى ، ولكن الانبثاق لا يمكن لأحد أن ينتظره لأنه فوق الزمن وقبل كل الدهور .

( ٢ ) ملكية الآب والابن

● الكاثوليك يحاولون أن يستندوا إلى قول السيد المسيح للآب السماوى : « ما هو لك فهو لى » ( يو ١٧ : ١٠ ) . ويقولون إذا كان الآب هو باثق للروح القدس ، وكل ما هو للآب فهو للابن ، فينبغى أن يكون الابن أيضاً باثقاً للروح القدس .

● ونحن نرد على ذلك ونقول إن السيد المسيح قد ذكر هذا القول فى صلاته للآب حينما كان يتكلم عن أنفس التلاميذ وقال : « كانوا لك وأعطيتهم لى » ( يو ١٧ : ٦ ) . « وكل ما هو لى فهو لك . وما هو لك فهو لى » ( يو ١٧ : ١٠ ) .

● فما علاقة ملكية الآب السماوى للبشر ، وملكية السيد المسيح لتلاميذه القديسين بأن يكون الابن باثقاً للروح القدس ؟!! الجوهر الكائن شىء والملكية شىء آخر . فعلاقة الآب بالروح القدس هى علاقة كينونة الروح القدس من الآب ، باعتبار الآب هو الأصل أو الينبوع فى الثالوث القدوس . وليست علاقة ملكية ، لأن الروح القدس ليس من ممتلكات الآب ولكن له كينونة واحدة مع الآب والابن ، والجوهر الإلهى للثالوث القدوس لا يمكن أن يقوم بدون الروح القدس .

● وإذا طبّقنا هذه الآية على ما يخص الله نفسه ، فهى لا يمكن أن تعنى فى هذه الحالة أكثر من أن جوهر الابن هو نفسه جوهر الآب ، ولا تعنى إطلاقاً أن الابن له الأبوة مثل الآب . فالجوهر الإلهى لا يوجد فيه إلا آب واحد . وكلمة آب فى اللغة الأرامية أو السريانية تعنى ( أصل ) ، أى لا تعنى فقط معنى والد ولكنها تشمل المعنيين ( والد وباثق ) فإذا كان السيد المسيح باعتباره الابن الأزلى يملك كل ما للآب ، فإن هذا لا يعنى أكثر من أن له كل خواص الجوهر الإلهى مثل : الأزلية ، والحق ، والحكمة ، والحياة ، والعقل ، والمحبة ، والقدرة على كل شىء ، والوجود فى كل مكان ، والخلق ( ومن هنا تأتى ملكية الخليقة ) ... إلخ . ولكن لا يمكن أن تعنى أن يشارك الابن الآب الأبوة ، لأنه كيف يكون ابناً وآباً فى آن واحد . لأنه إن كان يشارك الآب فى أبوته ، فالنتيجة أن الابن سيكون والداً لنفسه ، أو بمفهوم آخر أن يكون الابن هو الآب ، وإن سابيليوس الذى حرمته الكنيسة لم يقل بأكثر من ذلك .

● ولا ننسى أيضاً أن السيد المسيح قد قال للآب : « كل ما هو لى فهو لك » ( يو ١٧ : ١٠ ) . فهل معنى ذلك أن الآب له البنوة هو أيضاً ، ويصير مولوداً من الابن . إن هذا غير مقبول ولا معقول ، ولا يقبله أحدٌ على الإطلاق ، ويبطل إدّعاء الكاثوليك .

● وحتى من الناحية اللغوية لما قال السيد المسيح : « كل ما هو للآب فهو لى » فقد اختص الآب بلقبه الخصوصى ، وبهذا يكون قد استبعد ما هو خاص مما هو كل . فإذا قلت مثلاً : ( كل ما للأستاذ فهو لى ) ، فالأستاذ أستاذ وأنا طالب حتى لو اشتركنا فى باقى الأمور جميعاً . ولذلك فنحن نميّز بين الخواص الجوهرية التى تخص جميع الأقانيم معاً ، والخواص الأقنومية التى يختص بها كل أقنوم متمايزاً ، لكى لا تختلط الأقانيم مع بعض ، فالآب له الأبوة ، والابن له البنوة ، والروح القدس له الانبثاق .

( ٣ ) روح الابن أو روح السيد المسيح

● يحتجون بالآيات التالية :

ـ « إن كان روح الله ساكناً فيكم ، ولكن إن كان أحد ليس له روح المسيح فذلك ليس له » . ( رو ٨ : ٩ )

ـ « بطلبتكم ومؤازرة روح يسوع المسيح » ( فى ١ : ١٩ ) .

ـ « ثم بما أنكم أبناء أرسل الله روح ابنه إلى قلوبكم صارخاً يا أبا الآب » ( غل ٤ : ٦ ) .

يقول الكاثوليك : إنه إذا كان روح الابن هو روح الآب فإنه بالضرورة يكون الروح القدس منبثقاً من كليهما .

● ونحن نرد بالملاحظات الآتية :

١ ـ إنه فى ( غل ٤ : ٦ ) يتكلم عن إرسال الروح القدس ، وليس عن الانبثاق ، إذ يقول : « أرسل الله روح ابنه » .

٢ ـ إنه فى نفس الآية يقول : « إلى قلوبكم » ، والذى فى قلوبنا هو مواهب وعطايا الروح القدس الفائقة وليس جوهر الأقنوم . وإلا لصرنا نحن الروح القدس نفسه ، ونصير آلهة بالمعنى الكامل للاهوت .

٣ ـ إن الروح القدس هو روح الابن ـ كما ذكر فى نفس الآية ـ لأن الروح القدس له نفس الجوهر الذى للابن والذى للآب أيضاً . فهو روح الابن بسبب وحدة الجوهر الإلهى وليس بسبب انبثاقه من الابن .

٤ ـ الروح القدس هو روح السيد المسيح ( رو ٨ : ٩ ) لأنه هو الذى مسحه « روح الرب علىَّ لأنه مسحنى » ( لو ٤ : ١٨ ) . ولأنه استقر عليه وفيه حينما تجسد وقَبل المسحة من أجل خلاصنا ، لأنه استعلن مسيحاً للرب ، ورأساً للكنيسة .

٥ ـ الروح القدس يسمى « روح الحكمة » ( أف ١ : ١٧ ) ، « روح الفهم » ( إش ١١ : ٢ ) ، « روح القداسة » ( رو ١ : ٤ ) ، « روح الإيمان » ( ٢ كو ٤ : ١٣ ) ، « روح الإعلان » ( أف ١ : ١٧ ) ، « روح المشورة » ( إش ١١ : ٢ ) .

فهل لذلك ينبغى أن ينبثق الروح القدس من هذه جميعاً ؟! وكيف ينبثق من الإيمان مثلاً ؟ وهل الإيمان هو أقنوم رابع ؟!!

فالاحتجاج بأن تسمية الروح القدس بروح الابن أو روح المسيح يعنى أنه منبثق من الابن ، هو احتجاج لا مجال له على الإطلاق .

٦ ـ الروح القدس أيضاً يسمى « روح الابن » أو « روح المسيح » لأنه يشهد للمسيح كقول الكتاب : « متى جاء ... روح الحق الذى من عند الآب ينبثق فهو يشهد لى » ( يو ١٥ : ٢٦ ) . لذلك قال السيد المسيح : « أما المعزى الروح القدس الذى سيرسله الآب باسمى فهو يعلمكم كل شىء ويذكركم بكل ما قلته لكم » ( يو ١٤ : ٢٦ ) . وعبارة « سيرسله باسمى » تعنى أن اسمه ( روح المسيح ) أو ( روح الابن ) .

( ٤ ) نفخة الروح القدس

● يحتج الكاثوليك أيضاً بأن السيد المسيح قد نفخ الروح القدس فى وجه تلاميذه بعد القيامة . وهذا معناه ـ فى رأيهم ـ أن الروح القدس منبثق من الابن .

● هذا الاحتجاج احتجاج باطل ، لأن السيد المسيح لم ينفخ ذات جوهر أقنوم الروح القدس فى وجه تلاميذه ، ولكنه نفخ سلطانه ومواهبه المختصة بالحل والربط ، وغفران الخطية ( مثل نفخة الأسقف ـ على اعتبار أنه رئيس كهنة ـ فى سيامة الكاهن ) .

● ولذلك نحن نجد أنه حينما يُذكر أقنوم الروح القدس ـ فى ذاته ـ فى الكتاب المقدس ، فإنه يذكر مع أداة التعريف ( الروح القدس = تو إينفما تو أجيون τὸ πνεῦμα τὸ ἅγιον ) مثلما ورد فى :

ـ « وأما المعزى الروح القدس الذى سيرسله الآب باسمى » ( يو ١٤ : ٢٦ ) .

ـ « متى جاء المعزى الذى سأرسله أنا إليكم من الآب روح الحق الذى من عند الآب ينبثق » ( يو ١٥ : ٢٦ ) .

ملحوظة : الذى أُرسل هو أقنوم الروح القدس ، أما الذى مُنح للكنيسة فهو المواهب .

● أما حينما يُذكر الروح القدس من جهة مواهبه وسلطانه وعطاياه ، فيذكر بدون أداة التعريف ( روح قدس = إبنفما أجيون πνεῦμὰ ἅγιον ) .

لذلك فالترجمة الصحيحة لقول السيد لتلاميذه ـ عندما نفخ فى وجوههم ـ حسبما ورد فى ( يو ٢١ : ٢٢ ) λάβετε πνεῦμα ἅγιον هى « اقبلوا روحاً قدساً » . والمقصود بذلك هو موهبة الكهنوت التى هى من مواهب الروح القدس للكنيسة . ولا عجب فى هذا ، بل إن الأسقف يفعل نفس الشىء حينما يقوم بسيامة كاهن جديد . فالسيد المسيح وهو رئيس الكهنة الأعظم ، كان جديراً به أن يعطى موهبة الكهنوت لتلاميذه قبل أن يصعد إلى السماء ، وذلك بعد أن أتم الفداء على الصليب وقام منتصراً من بين الأموات . وإلا فمن أين نأتى برئيس كهنة ليقوم بسيامة التلاميذ بعد صعود السيد المسيح ؟ ولكنه أكّد دور الروح القدس فى إقامة الرعاة ، ومنح مواهب الكهنوت حينما قال لهم : « اقبلوا روحاً قدساً » .

● أخيراً نقول : مَن هو مصدر وجود الروح القدس ؟ الآب والابن ؟ أم الآب فقط ؟ قطعاً الآب هو المصدر ، ولكن الصدور ليس له بداية ، بل هو صدور أزلى خارج نطاق الزمن ، وحيث لا يوجد سابق ولا مسبوق . مثل النار التى لهيبها لم يكن له بداية ، فحرارتها المنبعثة منها هى أيضاً بلا بداية ولكن الحرارة تنبثق من اللهب وليس من النور المولود منه . القضية هى هل أصل وجود أقنوم الروح القدس الآب أم الآب والابن ؟ قطعاً الأصل هو الآب الذى انبثق منه الروح القدس .

نيافة الأنبا بيشوى

نيافة الأنبا بيشوى، مائة سؤال وجواب فى العقيدة المسيحية الأرثوذكسية، إعداد الإكليريكى الدكتور سامح حلمى إبراهيم، ط١ (دار نوبار للطباعة، ٢٠٠٤)، ٦٥–٧٠.

الصفحات فى الكتاب (٦٥، ٦٦، ٦٧، ٦٨، ٦٩، ٧٠)صفحة ٦٥ من الكتابصفحة ٦٦ من الكتابصفحة ٦٧ من الكتابصفحة ٦٨ من الكتابصفحة ٦٩ من الكتابصفحة ٧٠ من الكتاب

نيافة الأنبا بيشوى، مطران دمياط وكفر الشيخ والبرارى، مائة سؤال وجواب فى العقيدة المسيحية الأرثوذكسية. إعداد الإكليريكى الدكتور سامح حلمى إبراهيم. الطبعة الأولى أكتوبر ٢٠٠٤م ، دار نوبار للطباعة.