الجواب
● تؤمن كنيستنا أن الروح القدس ينبثق من الآب . أما الكاثوليك فيؤمنون أن الروح القدس منبثق من الآب والابن ، وقد أضافوا فى القرن الحادى عشر عبارة ( والابن ) إلى قانون الإيمان فى الجزء الخاص بانبثاق الروح القدس . وسوف نوضح خطأ المعتقد الكاثوليكى فيما يلى :
أولاً : أقوال الكتاب المقدس :
● يقول السيد المسيح فى إنجيل معلمنا يوحنا : « ومتى جاء المعزى الذى سأرسله أنا إليكم من الآب ، روح الحق الذى من عند الآب ينبثق فهو يشهد لى » ( يو ١٥ : ٢٦ ) .
ثانياً : قانون الإيمان النيقاوى القسطنطينى :
● ينص قانون الإيمان الذى وضعه الآباء على ما يلى : ( نعم نؤمن بالروح القدس الرب المحيى المنبثق من الآب ... ) .
فلا الكتاب المقدس ولا قانون الإيمان يحويان عقيدة الكاثوليك التى تقول إن الروح القدس ( منبثق من الآب والابن ) ، وهى العبارة التى ترددها الكنيسة الرومانية الكاثوليكية فى قانون الإيمان رسمياً ابتداءً من سنة ١٠٥٤ م .
اعتراضات والرد عليها :
( ١ ) الابن يرسل الروح القدس
● يحتج الكاثوليك بقول السيد المسيح عن الروح القدس : « الذى سأرسله أنا إليكم » ( يو ١٥ : ٢٦ ) . ويقولون : طالما أن السيد المسيح هو الذى يرسل الروح القدس ، فإن الروح القدس منبثق منه .
● ولكن من الملاحظ أن السيد المسيح قال : « سأرسله أنا إليكم من الآب » ، كما قال فى نفس الآية : إن الروح القدس « من عند الآب ينبثق » .
● يضاف إلى ذلك أن الانبثاق شىء ، والإرسال شىء آخر . فالانبثاق أزلى ، وأما الإرسال فزمنى .
● السيد المسيح قال أيضاً : « وأما المعزى الروح القدس الذى سيرسله الآب باسمى فهو يعلّمكم كل شىء ويذكركم بكل ما قلته لكم » . ( يو ١٤ : ٢٦ ) والملاحظ هنا أنه يقول : « الذى سيرسله الآب » . فتارة يقول : « الذى سأرسله أنا » ، وتارة أخرى يقول : « الذى سيرسله الآب » ، ولكن فى الانبثاق لم يقل سوى أنه منبثق من الآب .
● ولو كان الإرسال هو صورة طبق الأصل من الانبثاق كما يدعى الكاثوليك ، فكيف يجيبون على قول السيد المسيح فى سفر إشعياء : « منذ وجوده ، أنا هناك ، والآن السيد الرب أرسلنى وروحُهُ » ( إش ٤٨ : ١٦ ) . لو كان الإرسال لأحد الأقانيم بواسطة الآب وأقنوم آخر دائماً هو صورة من علاقة الأقنوم بالآب الذى هوالينبوع والأقنوم الآخر الذى شارك فى الإرسال ؛ فإن إرسال الابن سيكون بناءً على هذا الافتراض الخاطئ ، هو صورة من ولادته الأزلية ، وبذلك يكون الابن مولوداً منذ الأزل من الآب والروح القدس لأنه قد أُرسل من الآب والروح القدس ، وهذا غير صحيح .
● ونلاحظ تعبير « روحُهُ » في ( إش ٤٨ : ١٦ ) جاء فى صيغة الفاعل وليس المفعول به . بمعنى أن السيد المسيح قد أُرسل من الآب ومن الروح القدس . فهل لهذا ينبغى أن يكون الابن مولوداً من الآب ومن الروح القدس قبل كل الدهور ؟ أم أن الولادة الأزلية شىء ، والإرسال الزمنى شىء آخر ؟ ولا يجرؤ الكاثوليك أن ينكروا أن الابن هو مولود من الآب فقط قبل كل الدهور .
● لأن الانبثاق والولادة أزليان ، أما الإرسال فهو زمنى ( أى حادث فى الزمن ) . الانبثاق فوق الزمن ، والولادة فوق الزمن ، أما الإرسال فهو فى ملء الزمان . كقول الكتاب : « ولكن لما جاء ملء الزمان ، أرسل الله ابنه مولوداً من امرأة »( غل ٤ : ٤ ) .
● وكقول السيد المسيح لتلاميذه : « ليس لكم أن تعرفوا الأزمنة والأوقات التى جعلها الآب فى سلطانه . لكنكم ستنالون قوة متى حل الروح القدس عليكم ، وتكونون لى شهوداً فى أورشليم وفى كل اليهودية والسامرة وإلى أقصى الأرض » ( أع ١ : ٧ ، ٨ ) .
● وجاء فى سفر أعمال الرسل « وفيما هو مجتمع معهم أوصاهم أن لا يبرحوا من أورشليم بل ينتظروا موعد الآب الذى سمعتموه منى » ( أع ١ : ٤ ) . عبارة « ينتظروا موعد الرب » ، تدل على أن إرسال الروح القدس هو حادث زمنى ، وفى الآية الأولى نجد أن السيد المسيح يتكلم عن « أزمنة وأوقات » ... إن حلول الروح القدس على التلاميذ يوم الخمسين حادث زمنى ، ولكن الانبثاق لا يمكن لأحد أن ينتظره لأنه فوق الزمن وقبل كل الدهور .
( ٢ ) ملكية الآب والابن
● الكاثوليك يحاولون أن يستندوا إلى قول السيد المسيح للآب السماوى : « ما هو لك فهو لى » ( يو ١٧ : ١٠ ) . ويقولون إذا كان الآب هو باثق للروح القدس ، وكل ما هو للآب فهو للابن ، فينبغى أن يكون الابن أيضاً باثقاً للروح القدس .
● ونحن نرد على ذلك ونقول إن السيد المسيح قد ذكر هذا القول فى صلاته للآب حينما كان يتكلم عن أنفس التلاميذ وقال : « كانوا لك وأعطيتهم لى » ( يو ١٧ : ٦ ) . « وكل ما هو لى فهو لك . وما هو لك فهو لى » ( يو ١٧ : ١٠ ) .
● فما علاقة ملكية الآب السماوى للبشر ، وملكية السيد المسيح لتلاميذه القديسين بأن يكون الابن باثقاً للروح القدس ؟!! الجوهر الكائن شىء والملكية شىء آخر . فعلاقة الآب بالروح القدس هى علاقة كينونة الروح القدس من الآب ، باعتبار الآب هو الأصل أو الينبوع فى الثالوث القدوس . وليست علاقة ملكية ، لأن الروح القدس ليس من ممتلكات الآب ولكن له كينونة واحدة مع الآب والابن ، والجوهر الإلهى للثالوث القدوس لا يمكن أن يقوم بدون الروح القدس .
● وإذا طبّقنا هذه الآية على ما يخص الله نفسه ، فهى لا يمكن أن تعنى فى هذه الحالة أكثر من أن جوهر الابن هو نفسه جوهر الآب ، ولا تعنى إطلاقاً أن الابن له الأبوة مثل الآب . فالجوهر الإلهى لا يوجد فيه إلا آب واحد . وكلمة آب فى اللغة الأرامية أو السريانية تعنى ( أصل ) ، أى لا تعنى فقط معنى والد ولكنها تشمل المعنيين ( والد وباثق ) فإذا كان السيد المسيح باعتباره الابن الأزلى يملك كل ما للآب ، فإن هذا لا يعنى أكثر من أن له كل خواص الجوهر الإلهى مثل : الأزلية ، والحق ، والحكمة ، والحياة ، والعقل ، والمحبة ، والقدرة على كل شىء ، والوجود فى كل مكان ، والخلق ( ومن هنا تأتى ملكية الخليقة ) ... إلخ . ولكن لا يمكن أن تعنى أن يشارك الابن الآب الأبوة ، لأنه كيف يكون ابناً وآباً فى آن واحد . لأنه إن كان يشارك الآب فى أبوته ، فالنتيجة أن الابن سيكون والداً لنفسه ، أو بمفهوم آخر أن يكون الابن هو الآب ، وإن سابيليوس الذى حرمته الكنيسة لم يقل بأكثر من ذلك .
● ولا ننسى أيضاً أن السيد المسيح قد قال للآب : « كل ما هو لى فهو لك » ( يو ١٧ : ١٠ ) . فهل معنى ذلك أن الآب له البنوة هو أيضاً ، ويصير مولوداً من الابن . إن هذا غير مقبول ولا معقول ، ولا يقبله أحدٌ على الإطلاق ، ويبطل إدّعاء الكاثوليك .
● وحتى من الناحية اللغوية لما قال السيد المسيح : « كل ما هو للآب فهو لى » فقد اختص الآب بلقبه الخصوصى ، وبهذا يكون قد استبعد ما هو خاص مما هو كل . فإذا قلت مثلاً : ( كل ما للأستاذ فهو لى ) ، فالأستاذ أستاذ وأنا طالب حتى لو اشتركنا فى باقى الأمور جميعاً . ولذلك فنحن نميّز بين الخواص الجوهرية التى تخص جميع الأقانيم معاً ، والخواص الأقنومية التى يختص بها كل أقنوم متمايزاً ، لكى لا تختلط الأقانيم مع بعض ، فالآب له الأبوة ، والابن له البنوة ، والروح القدس له الانبثاق .
( ٣ ) روح الابن أو روح السيد المسيح
● يحتجون بالآيات التالية :
ـ « إن كان روح الله ساكناً فيكم ، ولكن إن كان أحد ليس له روح المسيح فذلك ليس له » . ( رو ٨ : ٩ )
ـ « بطلبتكم ومؤازرة روح يسوع المسيح » ( فى ١ : ١٩ ) .
ـ « ثم بما أنكم أبناء أرسل الله روح ابنه إلى قلوبكم صارخاً يا أبا الآب » ( غل ٤ : ٦ ) .
يقول الكاثوليك : إنه إذا كان روح الابن هو روح الآب فإنه بالضرورة يكون الروح القدس منبثقاً من كليهما .
● ونحن نرد بالملاحظات الآتية :
١ ـ إنه فى ( غل ٤ : ٦ ) يتكلم عن إرسال الروح القدس ، وليس عن الانبثاق ، إذ يقول : « أرسل الله روح ابنه » .
٢ ـ إنه فى نفس الآية يقول : « إلى قلوبكم » ، والذى فى قلوبنا هو مواهب وعطايا الروح القدس الفائقة وليس جوهر الأقنوم . وإلا لصرنا نحن الروح القدس نفسه ، ونصير آلهة بالمعنى الكامل للاهوت .
٣ ـ إن الروح القدس هو روح الابن ـ كما ذكر فى نفس الآية ـ لأن الروح القدس له نفس الجوهر الذى للابن والذى للآب أيضاً . فهو روح الابن بسبب وحدة الجوهر الإلهى وليس بسبب انبثاقه من الابن .
٤ ـ الروح القدس هو روح السيد المسيح ( رو ٨ : ٩ ) لأنه هو الذى مسحه « روح الرب علىَّ لأنه مسحنى » ( لو ٤ : ١٨ ) . ولأنه استقر عليه وفيه حينما تجسد وقَبل المسحة من أجل خلاصنا ، لأنه استعلن مسيحاً للرب ، ورأساً للكنيسة .
٥ ـ الروح القدس يسمى « روح الحكمة » ( أف ١ : ١٧ ) ، « روح الفهم » ( إش ١١ : ٢ ) ، « روح القداسة » ( رو ١ : ٤ ) ، « روح الإيمان » ( ٢ كو ٤ : ١٣ ) ، « روح الإعلان » ( أف ١ : ١٧ ) ، « روح المشورة » ( إش ١١ : ٢ ) .
فهل لذلك ينبغى أن ينبثق الروح القدس من هذه جميعاً ؟! وكيف ينبثق من الإيمان مثلاً ؟ وهل الإيمان هو أقنوم رابع ؟!!
فالاحتجاج بأن تسمية الروح القدس بروح الابن أو روح المسيح يعنى أنه منبثق من الابن ، هو احتجاج لا مجال له على الإطلاق .
٦ ـ الروح القدس أيضاً يسمى « روح الابن » أو « روح المسيح » لأنه يشهد للمسيح كقول الكتاب : « متى جاء ... روح الحق الذى من عند الآب ينبثق فهو يشهد لى » ( يو ١٥ : ٢٦ ) . لذلك قال السيد المسيح : « أما المعزى الروح القدس الذى سيرسله الآب باسمى فهو يعلمكم كل شىء ويذكركم بكل ما قلته لكم » ( يو ١٤ : ٢٦ ) . وعبارة « سيرسله باسمى » تعنى أن اسمه ( روح المسيح ) أو ( روح الابن ) .
( ٤ ) نفخة الروح القدس
● يحتج الكاثوليك أيضاً بأن السيد المسيح قد نفخ الروح القدس فى وجه تلاميذه بعد القيامة . وهذا معناه ـ فى رأيهم ـ أن الروح القدس منبثق من الابن .
● هذا الاحتجاج احتجاج باطل ، لأن السيد المسيح لم ينفخ ذات جوهر أقنوم الروح القدس فى وجه تلاميذه ، ولكنه نفخ سلطانه ومواهبه المختصة بالحل والربط ، وغفران الخطية ( مثل نفخة الأسقف ـ على اعتبار أنه رئيس كهنة ـ فى سيامة الكاهن ) .
● ولذلك نحن نجد أنه حينما يُذكر أقنوم الروح القدس ـ فى ذاته ـ فى الكتاب المقدس ، فإنه يذكر مع أداة التعريف ( الروح القدس = تو إينفما تو أجيون τὸ πνεῦμα τὸ ἅγιον ) مثلما ورد فى :
ـ « وأما المعزى الروح القدس الذى سيرسله الآب باسمى » ( يو ١٤ : ٢٦ ) .
ـ « متى جاء المعزى الذى سأرسله أنا إليكم من الآب روح الحق الذى من عند الآب ينبثق » ( يو ١٥ : ٢٦ ) .
ملحوظة : الذى أُرسل هو أقنوم الروح القدس ، أما الذى مُنح للكنيسة فهو المواهب .
● أما حينما يُذكر الروح القدس من جهة مواهبه وسلطانه وعطاياه ، فيذكر بدون أداة التعريف ( روح قدس = إبنفما أجيون πνεῦμὰ ἅγιον ) .
لذلك فالترجمة الصحيحة لقول السيد لتلاميذه ـ عندما نفخ فى وجوههم ـ حسبما ورد فى ( يو ٢١ : ٢٢ ) λάβετε πνεῦμα ἅγιον هى « اقبلوا روحاً قدساً » . والمقصود بذلك هو موهبة الكهنوت التى هى من مواهب الروح القدس للكنيسة . ولا عجب فى هذا ، بل إن الأسقف يفعل نفس الشىء حينما يقوم بسيامة كاهن جديد . فالسيد المسيح وهو رئيس الكهنة الأعظم ، كان جديراً به أن يعطى موهبة الكهنوت لتلاميذه قبل أن يصعد إلى السماء ، وذلك بعد أن أتم الفداء على الصليب وقام منتصراً من بين الأموات . وإلا فمن أين نأتى برئيس كهنة ليقوم بسيامة التلاميذ بعد صعود السيد المسيح ؟ ولكنه أكّد دور الروح القدس فى إقامة الرعاة ، ومنح مواهب الكهنوت حينما قال لهم : « اقبلوا روحاً قدساً » .
● أخيراً نقول : مَن هو مصدر وجود الروح القدس ؟ الآب والابن ؟ أم الآب فقط ؟ قطعاً الآب هو المصدر ، ولكن الصدور ليس له بداية ، بل هو صدور أزلى خارج نطاق الزمن ، وحيث لا يوجد سابق ولا مسبوق . مثل النار التى لهيبها لم يكن له بداية ، فحرارتها المنبعثة منها هى أيضاً بلا بداية ولكن الحرارة تنبثق من اللهب وليس من النور المولود منه . القضية هى هل أصل وجود أقنوم الروح القدس الآب أم الآب والابن ؟ قطعاً الأصل هو الآب الذى انبثق منه الروح القدس .
نيافة الأنبا بيشوى
نيافة الأنبا بيشوى، مائة سؤال وجواب فى العقيدة المسيحية الأرثوذكسية، إعداد الإكليريكى الدكتور سامح حلمى إبراهيم، ط١ (دار نوبار للطباعة، ٢٠٠٤)، ٦٥–٧٠.





