SPSA Church Giving (opens in a new tab)

التجسد وطبيعة السيد المسيح · ٢٣

هل التجسد غيّر الله ؟ ● إن كان الله غير متغيّر من الأزل وإلى الأبد ، فكيف عندما تجسد ابن الله الكلمة لم يتغيّر ، لأنه قبل التجسد لم يكن له جسد ، وبعد التجسد أصبح له جسد وصعد به إلى السماء ، ودخل إلى مجده ؟ فكيف أن ربنا أزلى أبدى سرمدى غير متغيّر ، وفى نفس الوقت نسمع أن الله الكلمة أخلى ذاته وصار جسداً ، بالإضافة إلى احتمال آلام الصليب و قيامته من بين الأموات . وأيضاً كل الظروف التى تعرض لها كإنسان أو كنائب عن البشرية ؟

Faith Q&A ‹ مائة سؤال وجواب فى العقيدة المسيحية الأرثوذكسية ‹ التجسد وطبيعة السيد المسيح

الجواب

● فى عقيدتنا كان الاتحاد بين اللاهوت والناسوت بدون اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير . فنحن لا نعتبر أن اللاهوت قد تغير بسبب اتحاده بالناسوت ، ولكن هناك قدرات كائنة فى الله منذ الأزل ولكنها تتحقق فى الوقت المناسب ، وهذا لا يعنى أن الله قد تغير .

● مثال ذلك : ( موضوع الخلق ) فالله كان كائناً منذ الأزل وقبل كل الدهور بدون الخليقة ، ثم فى بداية الزمن خلق الملائكة والكائنات المتنوعة . فهل هذا يعنى أن الله قد تغيّر ، بمعنى أنه لم يكن خالقاً منذ الأزل قبل الخليقة ثم فى بداية الزمن بدأ يخلق ، وبهذا يكون قد تغيّر ؟!!

للرد على هذا نقول :

● إن صفة القدرة على الخلق موجودة أصلاً فى طبيعة الله ، لم تستجد عليه صفة تخص ألوهيته ، بل هو قادر أن يخلق وقتما أراد . فالتغير فى الطبيعة شىء وظهور إمكانيات الطبيعة فى الوقت المناسب مع عدم التغير فيها شىء آخر . فالتغير حدث فى الخليقة لأنها لم تكن موجودة ثم دخلت إلى حيز الوجود .

● ولكن هناك صفات أخرى لا يمكن أن تبقى كامنة فى طبيعة الله وفى مقاصده ثم تظهر ، كعملية الخلق فى الزمن أو فى بداية الزمن ، أو كعملية التجسد فى ملء الزمان ؛ ولكنها ملازمة وممارسة أزلياً قبل كل الدهور كالحب مثلاً « الله محبة » ( ١ يو ٤ : ٨ ، ١٦ ) . فلا يمكن أن نتصور الله بدون الحب ، ولكننا نتصوره بدون الخليقة لأن الخليقة ليست ضرورية لله مثل الحب .

● التجسد هو عمل من أعمال محبة الله للخليقة من أجل خلاصها . فالحب فى الله منذ الأزل . وقبل التجسد هو يحب الخليقة ، وفى التجسد ، وبعد التجسد أيضاً هو يحبها ، فحب الله ممتد ولا يتغير ولا يزيد . لكنه بعد أن أرسل الأنبياء ليعدّوا فكر البشرية لعمل الفداء جاء ملء الزمان المناسب لإتمام التجسد والفداء على الرغم من أن التجسد والفداء كانا فى فكر الله منذ الأزل . فطبيعته هى الحب « هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد » ( يو ٣ : ١٦ ) . ولم يستجد على طبيعته شئ من جهة أنه محب ، ومن ناحية التجسد ... وكما أن الخلق هو قدرة موجودة فى الله ثم ظهرت فى الوقت المناسب ، فالتجسد أيضاً هو إحدى قدرات الله التى تتحقق بواسطة أقنوم الابن .

● فالابن الوحيد الذي هو « صورة الله غير المنظور » ( كو ١ : ١٥ ) ، من ضمن اختصاصاته الأقنومية أن يعلن حقيقة الآب بالنسبة لنا ، لذلك قال : « من رآنى فقد رأى الآب » (يو١٤:٩) . فنحن لا يمكننا أن نرى حب الآب لنا أكثر مما رأيناه واضحاً فى الصليب : « بهذا قد عرفنا المحبة أن ذاك وضع نفسه لأجلنا » ( ١ يو ٣ : ١٦ ) . فابن الله الكلمة له دور خاص بأقنومه فهو صورة الله غير المنظور أو هو إعلان عن حقيقة الله . فمثلاً نحن لا نستطيع أن نرى العقل ، لكننا نستطيع معرفة العقل من خلال الكلمة ، إذ أنه بالكلمة يتصور العقل غير المنظور . فأقنوم الابن الكلمة هو الأقنوم الذى يستطيع أن يعلن لنا مقاصد الآب بصورة واضحة . فمن ضمن قدراته « إذ كان فى صورة الله ... أخذ صورة عبد » ( فى ٢ : ٦ـ ٧ ) . فقدرة الله فى أن يخلق مثلها قدرته فى أن يظهر فى الجسد ، دون أن يفقد طبيعته الأصلية و بدون أى تغيير فى هذه الطبيعة .

معنى عدم التغيير فى الطبيعة الإلهية :

● التجسد ليس هو إضافة جديدة إلى طبيعة الله ، لأن طبيعة الله لم تضف إليها المحبة التى أعلنها على الصليب ، ولا أضيف إليها القدرة أن يظهر فى الجسد . لكنها قدرات كائنة فيه وتظهر فى الوقت المناسب . ولكى يؤكد كلمة الله أنه لم يتغير ولم يفقد شيئاً من قدراته الإلهية بسبب التجسد ، تعمد أن تظهر قدراته الخارقة على الطبيعة وهو يعانى سكرات الموت على الصليب ، ولهذا اختفت الشمس وأظلمت ، لأن المسيح شمس البر كان فاتحاً ذراعيه على الصليب حسب نبوة ملاخي : « ولكم أيها المتقون اسمى تشرق شمس البر والشفاء فى أجنحتها » ( ملا ٤ : ٢ ) ... وكذلك الأرض ماجت مرتعدة والصخور تشققت ، حتى أن قائد المائة الذى نفذ حكم الصلب لما رأى ما كان قال : « حقاً كان هذا ابن الله » (مت ٢٧: ٥٤ ) . وبهذا تأكد لنا أن طبيعة الكلمة (اللوغوس) الإلهية لم تفقد شيئاً من قدراتها ، حتى وهو فى أقصى مراحل الألم والضعف مقترباً من الموت ، وحتى عندما أسلم الروح فى يدى الآب .

نيافة الأنبا بيشوى

نيافة الأنبا بيشوى، مائة سؤال وجواب فى العقيدة المسيحية الأرثوذكسية، إعداد الإكليريكى الدكتور سامح حلمى إبراهيم، ط١ (دار نوبار للطباعة، ٢٠٠٤)، ٣٢–٣٣.

الصفحات فى الكتاب (٣٢، ٣٣)صفحة ٣٢ من الكتابصفحة ٣٣ من الكتاب

نيافة الأنبا بيشوى، مطران دمياط وكفر الشيخ والبرارى، مائة سؤال وجواب فى العقيدة المسيحية الأرثوذكسية. إعداد الإكليريكى الدكتور سامح حلمى إبراهيم. الطبعة الأولى أكتوبر ٢٠٠٤م ، دار نوبار للطباعة.