الجواب
● فى عقيدتنا كان الاتحاد بين اللاهوت والناسوت بدون اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير . فنحن لا نعتبر أن اللاهوت قد تغير بسبب اتحاده بالناسوت ، ولكن هناك قدرات كائنة فى الله منذ الأزل ولكنها تتحقق فى الوقت المناسب ، وهذا لا يعنى أن الله قد تغير .
● مثال ذلك : ( موضوع الخلق ) فالله كان كائناً منذ الأزل وقبل كل الدهور بدون الخليقة ، ثم فى بداية الزمن خلق الملائكة والكائنات المتنوعة . فهل هذا يعنى أن الله قد تغيّر ، بمعنى أنه لم يكن خالقاً منذ الأزل قبل الخليقة ثم فى بداية الزمن بدأ يخلق ، وبهذا يكون قد تغيّر ؟!!
للرد على هذا نقول :
● إن صفة القدرة على الخلق موجودة أصلاً فى طبيعة الله ، لم تستجد عليه صفة تخص ألوهيته ، بل هو قادر أن يخلق وقتما أراد . فالتغير فى الطبيعة شىء وظهور إمكانيات الطبيعة فى الوقت المناسب مع عدم التغير فيها شىء آخر . فالتغير حدث فى الخليقة لأنها لم تكن موجودة ثم دخلت إلى حيز الوجود .
● ولكن هناك صفات أخرى لا يمكن أن تبقى كامنة فى طبيعة الله وفى مقاصده ثم تظهر ، كعملية الخلق فى الزمن أو فى بداية الزمن ، أو كعملية التجسد فى ملء الزمان ؛ ولكنها ملازمة وممارسة أزلياً قبل كل الدهور كالحب مثلاً « الله محبة » ( ١ يو ٤ : ٨ ، ١٦ ) . فلا يمكن أن نتصور الله بدون الحب ، ولكننا نتصوره بدون الخليقة لأن الخليقة ليست ضرورية لله مثل الحب .
● التجسد هو عمل من أعمال محبة الله للخليقة من أجل خلاصها . فالحب فى الله منذ الأزل . وقبل التجسد هو يحب الخليقة ، وفى التجسد ، وبعد التجسد أيضاً هو يحبها ، فحب الله ممتد ولا يتغير ولا يزيد . لكنه بعد أن أرسل الأنبياء ليعدّوا فكر البشرية لعمل الفداء جاء ملء الزمان المناسب لإتمام التجسد والفداء على الرغم من أن التجسد والفداء كانا فى فكر الله منذ الأزل . فطبيعته هى الحب « هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد » ( يو ٣ : ١٦ ) . ولم يستجد على طبيعته شئ من جهة أنه محب ، ومن ناحية التجسد ... وكما أن الخلق هو قدرة موجودة فى الله ثم ظهرت فى الوقت المناسب ، فالتجسد أيضاً هو إحدى قدرات الله التى تتحقق بواسطة أقنوم الابن .
● فالابن الوحيد الذي هو « صورة الله غير المنظور » ( كو ١ : ١٥ ) ، من ضمن اختصاصاته الأقنومية أن يعلن حقيقة الآب بالنسبة لنا ، لذلك قال : « من رآنى فقد رأى الآب » (يو١٤:٩) . فنحن لا يمكننا أن نرى حب الآب لنا أكثر مما رأيناه واضحاً فى الصليب : « بهذا قد عرفنا المحبة أن ذاك وضع نفسه لأجلنا » ( ١ يو ٣ : ١٦ ) . فابن الله الكلمة له دور خاص بأقنومه فهو صورة الله غير المنظور أو هو إعلان عن حقيقة الله . فمثلاً نحن لا نستطيع أن نرى العقل ، لكننا نستطيع معرفة العقل من خلال الكلمة ، إذ أنه بالكلمة يتصور العقل غير المنظور . فأقنوم الابن الكلمة هو الأقنوم الذى يستطيع أن يعلن لنا مقاصد الآب بصورة واضحة . فمن ضمن قدراته « إذ كان فى صورة الله ... أخذ صورة عبد » ( فى ٢ : ٦ـ ٧ ) . فقدرة الله فى أن يخلق مثلها قدرته فى أن يظهر فى الجسد ، دون أن يفقد طبيعته الأصلية و بدون أى تغيير فى هذه الطبيعة .
معنى عدم التغيير فى الطبيعة الإلهية :
● التجسد ليس هو إضافة جديدة إلى طبيعة الله ، لأن طبيعة الله لم تضف إليها المحبة التى أعلنها على الصليب ، ولا أضيف إليها القدرة أن يظهر فى الجسد . لكنها قدرات كائنة فيه وتظهر فى الوقت المناسب . ولكى يؤكد كلمة الله أنه لم يتغير ولم يفقد شيئاً من قدراته الإلهية بسبب التجسد ، تعمد أن تظهر قدراته الخارقة على الطبيعة وهو يعانى سكرات الموت على الصليب ، ولهذا اختفت الشمس وأظلمت ، لأن المسيح شمس البر كان فاتحاً ذراعيه على الصليب حسب نبوة ملاخي : « ولكم أيها المتقون اسمى تشرق شمس البر والشفاء فى أجنحتها » ( ملا ٤ : ٢ ) ... وكذلك الأرض ماجت مرتعدة والصخور تشققت ، حتى أن قائد المائة الذى نفذ حكم الصلب لما رأى ما كان قال : « حقاً كان هذا ابن الله » (مت ٢٧: ٥٤ ) . وبهذا تأكد لنا أن طبيعة الكلمة (اللوغوس) الإلهية لم تفقد شيئاً من قدراتها ، حتى وهو فى أقصى مراحل الألم والضعف مقترباً من الموت ، وحتى عندما أسلم الروح فى يدى الآب .
نيافة الأنبا بيشوى
نيافة الأنبا بيشوى، مائة سؤال وجواب فى العقيدة المسيحية الأرثوذكسية، إعداد الإكليريكى الدكتور سامح حلمى إبراهيم، ط١ (دار نوبار للطباعة، ٢٠٠٤)، ٣٢–٣٣.

