الجواب
● يقول المزمور : « الرحمة و الحق تلاقيا . العدل و السلام تلاثما . الحق من الأرض أشرق و العدل من السماء تطلّع » ( مز ٨٥:١٠، ١١ ) . فكما أن الصليب هو إعلان عن محبة الله حسب قول السيد المسيح : « هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكى لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية » ( يو ٣ : ١٦ ) . فإن الصليب هو أيضاً إعلان عن قداسة الله الكاملة وعن عدالته المطلقة . كما هو مكتوب « بدون سفك دم لا تحصل مغفرة » (عب ٩:٢٢) .
● فالغفران الإلهى هو غفران مدفوع الثمن . لأن الخطية والبر لا يتساويان عند الله ، ولكى يعلن الله بره الكامل وقداسته المطلقة فلابد أن يعلن غضبه على الخطية . كقول معلمنا بولس الرسول : « لأن غضب الله معلن من السماء على جميع فجور الناس وإثمهم الذين يحجزون الحق بالإثم » ( رو١:١٨ ) . ويقول أيضاً معلمنا بولس الرسول : « مخيف هو الوقوع فى يدى الله الحى » ( عب ١٠ : ٣١ ) . وقيل عن عمل السيد المسيح الفدائى وهو يوفى العدل الإلهى حقه المذكور فى سفر الرؤيا : « بالعدل يحكم ويحارب ... وهو يدوس معصرة خمر سخط وغضب الله القادر على كل شىء » ( رؤ ١٩: ١١ ، ١٥ ) .
● إذاً الله يغضب بسبب الخطية ، وهذا واضح تماماً في كتب العهد القديم وكتب العهد الجديد المقدسة . ولكن توجد موجة معاصرة وسط بعض أفراد الكنيسة ، نقلاً عن لاهوتيين غربيين محدثين ، تدعى أن الله لا يغضب بسبب الخطية ، ولا يعاقب الخطاة على خطاياهم ، وتستبعد فكرة إيفاء العدل الإلهى حقه على الصليب . وتستنكر فكرة العقوبة فى حكم الموت الذى صدر ضد الإنسان . وبهذا يبدأ تمييع فكرة الفداء وعقيدة الكفارة بما يؤدى إلى إهدار قيمة العقيدة المسيحية ... موضوع خطير إلى أبعد الحدود .
غضب الله :
● لا أحد يستطيع أن ينكر غضب الله بسبب الخطية ، بل لابد أن تعلن قداسة الله الكاملة كرافض للخطية والشر فى حياة الإنسان أى كرافض لخطية الإنسان . عدل الله فى محاسبته على الخطية معناه أن تظهر قداسة الله الكاملة بأن تنال الخطية قصاصاً عادلاً . حتى لو دفع الثمن من يحمل خطية الإنسان عوضاً عنه ، مانحاً الخاطئ فرصة التوبة والحياة ، بعد أن يكتشف الخاطئ بشاعة الخطية ويكرهها قابلاً محبة الله الشافية والغافرة التى يمنحها الروح القدس فى الأسرار .
● كان الإنسان الضائع الذى سقط فى فخ إبليس ، وسقط تحت الغضب الإلهى يحتاج إلى من يخلّصه ، كقول الرب : « من يد الهاوية أفديهم . من الموت أخلصهم » ( هو ١٣:١٤ ) . وكان الأمر يحتاج أيضاً إلى من يسحق سلطان الموت ويهزم طغيانه ، ويحتاج إلى من يستطيع أن يحرر المسبيين من البشر الأحياء أو الذين رقدوا على الرجاء ويخلصهم من أسر إبليس وينقذهم من الغضب الإلهى .
تحرير البشر من سلطان الشيطان :
● يتضح ذلك من كلام السيد المسيح لبولس الرسول حينما ظهر له و هو فى طريقه إلى دمشق وقال له : « قم وقف على رجليك لأنى لهذا ظهرت لك لأنتخبك خادماً وشاهداً . بما رأيت وبما سأظهر لك به منقذاً إياك من الشعب ومن الأمم الذين أنا الآن أرسلك إليهم لتفتح عيونهم كى يرجعوا من ظلمات إلى نور ومن سلطان الشيطان إلى الله . حتى ينالوا بالإيمان بى غفران الخطايا ونصيباً مع المقدسين » ( أع ٢٦ : ١٦ـ١٨ ) .
إنقاذ البشر من غضب الله :
● إن السيد المسيح احتمل الغضب ، وكان الألم الذى احتمله هو نتيجة الغضب المعلن ضد الخطية . إذاً الغفران فى المسيحية ، ليس غفراناً بلا ثمن بل هو غفران مدفوع الثمن والذى دفع الثمن هو السيد المسيح بدافع محبته ، لكى يخجل الخطاة بهذا الحب العجيب ... فالإنسان يخجل من خطاياه التى تسببت فى آلام المخلص ، وفى احتماله التعيير وفى موته كما قال بفم النبى : « تعييرات معيريك وقعت علىّ » ( مز ٦٩:٩ ) .
● إن الإنسان حينما ينظر إلى صليب الرب يسوع المسيح يقف مبهوراً من محبته ، ومخزياً من كل خطية تسببت فى صلبه ، إنه يرى فى الصليب الحب بأجلى معانيه . ويرى أيضاً العدل يأخذ مجراه . ويسمع كلمات الرسول منذراً إياه هو وغيره من المؤمنين : « قد اشتريتم بثمن فمجدوا الله فى أجسادكم وفى أرواحكم التى هى لله » ( ١كو ٦:٢٠ ) . أليست هذه هى الأنشودة الرسولية « كى يعيش الأحياء فيما بعد لا لأنفسهم بل للذى مات لأجلهم و قام » ( ٢كو ٥ : ٥ ) .
● إن الله لكى ينقذنا من نتائج خطايانا « أرسل ابنه كفارة لخطايانا » ( ١ يو٤:١٠ ) . وأدان الخطية كقول معلمنا بولس الرسول : « الله إذ أرسل ابنه فى شبه جسد الخطية ولأجل الخطية دان الخطية فى الجسد » ( رو٨:٣) ... إدانة الخطية فى الجسد ، تعنى أن الخطية قد أدينت على الصليب . فالله « لم يشفق على ابنه بل بذله لأجلنا أجمعين » (رو٨:٣٢) . الله لم يشفق على ابنه حينما حمل خطايانا فى جسده ، بل أعلن غضبه على الخطية بأن ترك ابنه الوحيد المتجسد يتألم ويموت عوضاً عن الخطاة ، لكى تنال الخطية دينونة عادلة ، وهنا يتبرر الله كقدوس وكرافض للشر .
● إن الله يريد أن يعلن نقمته وغضبه ضد خطية الإنسان . فمن يقبل أن المسيح يحمل خطاياه عنه فإنه يرى بعينيه الخطية قد سُمَرْت على الصليب . ويعلم بهذا أن خطاياه قد غُفرت . يرى بعينيه الخطية وقد أدينت دينونة عادلة . وهكذا قال معلمنا بولس الرسول : « إذ محا الصك الذى علينا فى الفرائض الذى كان ضداً لنا وقد رفعه من الوسط مسمراً إياه على الصليب » ( كو ٢:١٤ ) .
● ويشرح القمص تادرس يعقوب هذه الآية فيقول : ( ماذا يعنى تمزيق صك الدين الذى علينا الذى أعلنته فرائض الناموس ؟ إلا إيفاء الدين تماماً بالصليب ) .
● وقد أشار القديس يوحنا ذهبى الفم إلى أهمية رفع الغضب الإلهى لإتمام المصالحة فقال : ( ولكى تعلموا أننا أخذنا الروح القدس كعطية تصالح الله معنا ... وأن الله لا يرسل نعمة الروح القدس إذا كان غاضباً منا . لكيما إذا اقتنعت بأن غياب الروح القدس هو دليل غضب الله ، تتأكد أن إرساله مرة أخرى هو دليل المصالحة لأنه لو لم تكن المصالحة قد تمت لما أرسل الله الروح القدس ) .
( العظة الأولى عن عيد حلول الروح القدس)
● فلماذا يميل البعض إلى رؤية الحب الإلهى معلناً على الصليب ، ولا يميلون إلى رؤية الخطية مدانة فوق الصليب ؟
إننى أخشى أن يكون لدى بعض من هؤلاء تعاطف مع الخطية ، فيستثقلون إعلان غضب الله ضد الخطية الذى رأيناه فى الصليب !! فحينما يتكلمون عن الحب يرحرحون له ، ويرحبون به . وحينما يأتى الحديث عن إدانة الخطية وعن غضب الله بسبب الخطية فإنهم يتهربون من مواجهة هذه الحقيقة التى لا تريح أنفسهم أو لا تريح ضمائرهم . وإننا لنرى فى هذا عجباً ، لأن نفس الذين يرددون هذا المعنى قد وصل بهم المطاف إلى القول التالى فى مخاطبة السيد المسيح : ( الذى غُلب من شهوته توقفه ذبيحتك بلا لوم أمام أبيك مقبولاً ، والذى تعذرت توبته ألا تكفى ذبيحتك أن تكون له توبة وأنت ضمين ) ... فانظروا يا ذوى الألباب وافهموا ما هو القصد من هذه الحبكة الفكرية ؟ تجاهل العدل الإلهى والهروب من مواجهة فكرة العقوبة ، ثم الانحدار إلى هاوية إعلان قبول الله للخطاة بغير توبة .
هذا المسلسل الرهيب الذى لو تركناه فسوف يؤدى إلى الاستخفاف بالخطية وهلاك الرعية ... وهنا نتذكر قول معلمنا بولس الرسول :
ـ « من خالف ناموس موسى فعلى شاهدين أو ثلاثة شهود يموت بدون رأفة . فكم عقاباً أشر تظنون أنه يحسب مستحقاً من داس ابن الله و حسب دم العهد الذى قدس به دنساً و ازدرى بروح النعمة » (عب ١٠ : ٢٨ ، ٢٩) .
ـ « فإننا نعرف الذى قال لى الانتقام أنا أجازى يقول الرب . وأيضاً الرب يدين شعبه . مخيف هو الوقوع فى يدى الله الحى » ( عب١٠ : ٣٠ ، ٣١ ) .
ـ و قوله أيضاً : « لذلك ونحن قابلون ملكوتاً لا يتزعزع ليكن عندنا شكر به نخدم الله خدمة مرضية بخشوع و تقوى . لأن إلهنا نار آكلة » ( عب ١٢ : ٢٨ ، ٢٩ ) .
● ونحن اليوم حينما نقول : ( سامحنا يارب ) عندما نخطئ ، يقول لنا الرب : ( نعم أسامحكم لكن لابد أن تفهموا أن خطيئتكم ثمنها مدفوع ثمناً غالياً وأن من لا يقدّر هذا الثمن فسوف يقع تحت دينونة مضاعفة ) .
نيافة الأنبا بيشوى
نيافة الأنبا بيشوى، مائة سؤال وجواب فى العقيدة المسيحية الأرثوذكسية، إعداد الإكليريكى الدكتور سامح حلمى إبراهيم، ط١ (دار نوبار للطباعة، ٢٠٠٤)، ٣٦–٣٩.



