SPSA Church Giving (opens in a new tab)

الفداء والصليب · ٢٥

هل الصليب هو إعلان عن الحب الإلهى فقط ؟ أم هو أيضاً إدانة للخطية ؟

Faith Q&A ‹ مائة سؤال وجواب فى العقيدة المسيحية الأرثوذكسية ‹ الفداء والصليب

الجواب

● يقول المزمور : « الرحمة و الحق تلاقيا . العدل و السلام تلاثما . الحق من الأرض أشرق و العدل من السماء تطلّع » ( مز ٨٥:١٠، ١١ ) . فكما أن الصليب هو إعلان عن محبة الله حسب قول السيد المسيح : « هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكى لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية » ( يو ٣ : ١٦ ) . فإن الصليب هو أيضاً إعلان عن قداسة الله الكاملة وعن عدالته المطلقة . كما هو مكتوب « بدون سفك دم لا تحصل مغفرة » (عب ٩:٢٢) .

● فالغفران الإلهى هو غفران مدفوع الثمن . لأن الخطية والبر لا يتساويان عند الله ، ولكى يعلن الله بره الكامل وقداسته المطلقة فلابد أن يعلن غضبه على الخطية . كقول معلمنا بولس الرسول : « لأن غضب الله معلن من السماء على جميع فجور الناس وإثمهم الذين يحجزون الحق بالإثم » ( رو١:١٨ ) . ويقول أيضاً معلمنا بولس الرسول : « مخيف هو الوقوع فى يدى الله الحى » ( عب ١٠ : ٣١ ) . وقيل عن عمل السيد المسيح الفدائى وهو يوفى العدل الإلهى حقه المذكور فى سفر الرؤيا : « بالعدل يحكم ويحارب ... وهو يدوس معصرة خمر سخط وغضب الله القادر على كل شىء » ( رؤ ١٩: ١١ ، ١٥ ) .

● إذاً الله يغضب بسبب الخطية ، وهذا واضح تماماً في كتب العهد القديم وكتب العهد الجديد المقدسة . ولكن توجد موجة معاصرة وسط بعض أفراد الكنيسة ، نقلاً عن لاهوتيين غربيين محدثين ، تدعى أن الله لا يغضب بسبب الخطية ، ولا يعاقب الخطاة على خطاياهم ، وتستبعد فكرة إيفاء العدل الإلهى حقه على الصليب . وتستنكر فكرة العقوبة فى حكم الموت الذى صدر ضد الإنسان . وبهذا يبدأ تمييع فكرة الفداء وعقيدة الكفارة بما يؤدى إلى إهدار قيمة العقيدة المسيحية ... موضوع خطير إلى أبعد الحدود .

غضب الله :

● لا أحد يستطيع أن ينكر غضب الله بسبب الخطية ، بل لابد أن تعلن قداسة الله الكاملة كرافض للخطية والشر فى حياة الإنسان أى كرافض لخطية الإنسان . عدل الله فى محاسبته على الخطية معناه أن تظهر قداسة الله الكاملة بأن تنال الخطية قصاصاً عادلاً . حتى لو دفع الثمن من يحمل خطية الإنسان عوضاً عنه ، مانحاً الخاطئ فرصة التوبة والحياة ، بعد أن يكتشف الخاطئ بشاعة الخطية ويكرهها قابلاً محبة الله الشافية والغافرة التى يمنحها الروح القدس فى الأسرار .

● كان الإنسان الضائع الذى سقط فى فخ إبليس ، وسقط تحت الغضب الإلهى يحتاج إلى من يخلّصه ، كقول الرب : « من يد الهاوية أفديهم . من الموت أخلصهم » ( هو ١٣:١٤ ) . وكان الأمر يحتاج أيضاً إلى من يسحق سلطان الموت ويهزم طغيانه ، ويحتاج إلى من يستطيع أن يحرر المسبيين من البشر الأحياء أو الذين رقدوا على الرجاء ويخلصهم من أسر إبليس وينقذهم من الغضب الإلهى .

تحرير البشر من سلطان الشيطان :

● يتضح ذلك من كلام السيد المسيح لبولس الرسول حينما ظهر له و هو فى طريقه إلى دمشق وقال له : « قم وقف على رجليك لأنى لهذا ظهرت لك لأنتخبك خادماً وشاهداً . بما رأيت وبما سأظهر لك به منقذاً إياك من الشعب ومن الأمم الذين أنا الآن أرسلك إليهم لتفتح عيونهم كى يرجعوا من ظلمات إلى نور ومن سلطان الشيطان إلى الله . حتى ينالوا بالإيمان بى غفران الخطايا ونصيباً مع المقدسين » ( أع ٢٦ : ١٦ـ١٨ ) .

إنقاذ البشر من غضب الله :

● إن السيد المسيح احتمل الغضب ، وكان الألم الذى احتمله هو نتيجة الغضب المعلن ضد الخطية . إذاً الغفران فى المسيحية ، ليس غفراناً بلا ثمن بل هو غفران مدفوع الثمن والذى دفع الثمن هو السيد المسيح بدافع محبته ، لكى يخجل الخطاة بهذا الحب العجيب ... فالإنسان يخجل من خطاياه التى تسببت فى آلام المخلص ، وفى احتماله التعيير وفى موته كما قال بفم النبى : « تعييرات معيريك وقعت علىّ » ( مز ٦٩:٩ ) .

● إن الإنسان حينما ينظر إلى صليب الرب يسوع المسيح يقف مبهوراً من محبته ، ومخزياً من كل خطية تسببت فى صلبه ، إنه يرى فى الصليب الحب بأجلى معانيه . ويرى أيضاً العدل يأخذ مجراه . ويسمع كلمات الرسول منذراً إياه هو وغيره من المؤمنين : « قد اشتريتم بثمن فمجدوا الله فى أجسادكم وفى أرواحكم التى هى لله » ( ١كو ٦:٢٠ ) . أليست هذه هى الأنشودة الرسولية « كى يعيش الأحياء فيما بعد لا لأنفسهم بل للذى مات لأجلهم و قام » ( ٢كو ٥ : ٥ ) .

● إن الله لكى ينقذنا من نتائج خطايانا « أرسل ابنه كفارة لخطايانا » ( ١ يو٤:١٠ ) . وأدان الخطية كقول معلمنا بولس الرسول : « الله إذ أرسل ابنه فى شبه جسد الخطية ولأجل الخطية دان الخطية فى الجسد » ( رو٨:٣) ... إدانة الخطية فى الجسد ، تعنى أن الخطية قد أدينت على الصليب . فالله « لم يشفق على ابنه بل بذله لأجلنا أجمعين » (رو٨:٣٢) . الله لم يشفق على ابنه حينما حمل خطايانا فى جسده ، بل أعلن غضبه على الخطية بأن ترك ابنه الوحيد المتجسد يتألم ويموت عوضاً عن الخطاة ، لكى تنال الخطية دينونة عادلة ، وهنا يتبرر الله كقدوس وكرافض للشر .

● إن الله يريد أن يعلن نقمته وغضبه ضد خطية الإنسان . فمن يقبل أن المسيح يحمل خطاياه عنه فإنه يرى بعينيه الخطية قد سُمَرْت على الصليب . ويعلم بهذا أن خطاياه قد غُفرت . يرى بعينيه الخطية وقد أدينت دينونة عادلة . وهكذا قال معلمنا بولس الرسول : « إذ محا الصك الذى علينا فى الفرائض الذى كان ضداً لنا وقد رفعه من الوسط مسمراً إياه على الصليب » ( كو ٢:١٤ ) .

● ويشرح القمص تادرس يعقوب هذه الآية فيقول : ( ماذا يعنى تمزيق صك الدين الذى علينا الذى أعلنته فرائض الناموس ؟ إلا إيفاء الدين تماماً بالصليب ) .

● وقد أشار القديس يوحنا ذهبى الفم إلى أهمية رفع الغضب الإلهى لإتمام المصالحة فقال : ( ولكى تعلموا أننا أخذنا الروح القدس كعطية تصالح الله معنا ... وأن الله لا يرسل نعمة الروح القدس إذا كان غاضباً منا . لكيما إذا اقتنعت بأن غياب الروح القدس هو دليل غضب الله ، تتأكد أن إرساله مرة أخرى هو دليل المصالحة لأنه لو لم تكن المصالحة قد تمت لما أرسل الله الروح القدس ) .

( العظة الأولى عن عيد حلول الروح القدس)

● فلماذا يميل البعض إلى رؤية الحب الإلهى معلناً على الصليب ، ولا يميلون إلى رؤية الخطية مدانة فوق الصليب ؟

إننى أخشى أن يكون لدى بعض من هؤلاء تعاطف مع الخطية ، فيستثقلون إعلان غضب الله ضد الخطية الذى رأيناه فى الصليب !! فحينما يتكلمون عن الحب يرحرحون له ، ويرحبون به . وحينما يأتى الحديث عن إدانة الخطية وعن غضب الله بسبب الخطية فإنهم يتهربون من مواجهة هذه الحقيقة التى لا تريح أنفسهم أو لا تريح ضمائرهم . وإننا لنرى فى هذا عجباً ، لأن نفس الذين يرددون هذا المعنى قد وصل بهم المطاف إلى القول التالى فى مخاطبة السيد المسيح : ( الذى غُلب من شهوته توقفه ذبيحتك بلا لوم أمام أبيك مقبولاً ، والذى تعذرت توبته ألا تكفى ذبيحتك أن تكون له توبة وأنت ضمين ) ... فانظروا يا ذوى الألباب وافهموا ما هو القصد من هذه الحبكة الفكرية ؟ تجاهل العدل الإلهى والهروب من مواجهة فكرة العقوبة ، ثم الانحدار إلى هاوية إعلان قبول الله للخطاة بغير توبة .

هذا المسلسل الرهيب الذى لو تركناه فسوف يؤدى إلى الاستخفاف بالخطية وهلاك الرعية ... وهنا نتذكر قول معلمنا بولس الرسول :

ـ « من خالف ناموس موسى فعلى شاهدين أو ثلاثة شهود يموت بدون رأفة . فكم عقاباً أشر تظنون أنه يحسب مستحقاً من داس ابن الله و حسب دم العهد الذى قدس به دنساً و ازدرى بروح النعمة » (عب ١٠ : ٢٨ ، ٢٩) .

ـ « فإننا نعرف الذى قال لى الانتقام أنا أجازى يقول الرب . وأيضاً الرب يدين شعبه . مخيف هو الوقوع فى يدى الله الحى » ( عب١٠ : ٣٠ ، ٣١ ) .

ـ و قوله أيضاً : « لذلك ونحن قابلون ملكوتاً لا يتزعزع ليكن عندنا شكر به نخدم الله خدمة مرضية بخشوع و تقوى . لأن إلهنا نار آكلة » ( عب ١٢ : ٢٨ ، ٢٩ ) .

● ونحن اليوم حينما نقول : ( سامحنا يارب ) عندما نخطئ ، يقول لنا الرب : ( نعم أسامحكم لكن لابد أن تفهموا أن خطيئتكم ثمنها مدفوع ثمناً غالياً وأن من لا يقدّر هذا الثمن فسوف يقع تحت دينونة مضاعفة ) .

نيافة الأنبا بيشوى

نيافة الأنبا بيشوى، مائة سؤال وجواب فى العقيدة المسيحية الأرثوذكسية، إعداد الإكليريكى الدكتور سامح حلمى إبراهيم، ط١ (دار نوبار للطباعة، ٢٠٠٤)، ٣٦–٣٩.

الصفحات فى الكتاب (٣٦، ٣٧، ٣٨، ٣٩)صفحة ٣٦ من الكتابصفحة ٣٧ من الكتابصفحة ٣٨ من الكتابصفحة ٣٩ من الكتاب

نيافة الأنبا بيشوى، مطران دمياط وكفر الشيخ والبرارى، مائة سؤال وجواب فى العقيدة المسيحية الأرثوذكسية. إعداد الإكليريكى الدكتور سامح حلمى إبراهيم. الطبعة الأولى أكتوبر ٢٠٠٤م ، دار نوبار للطباعة.