الجواب
● ينادى البعض فى زماننا الحاضر بأن السيد المسيح لم يمت عنا بل مات لأجلنا... بمعنى أنه لم يمت على الصليب بدلاً عنا بلِ مات بنا ، وبهذا نكون قد متنا معه!!! ويقولون إنه من الخطأ القول بأنه تألم عنا أو صُلب عنا أو مات عنا ... والرد هو كالآتى :
١ـ قد نسى هؤلاء أن الكنيسة كلها تردد فى قانون الإيمان فى جميع صلواتها الليتورجية عِن السيد المسيح أنه ( نزل من السماء وتجسد من الروح القدس ومِن مريم العذراء تأنس وصُلب عنا على عهد بيلاطس البنطى ) فمن الواضح أننا نعترف بأنه صُلب عنا .
٢ـ والسيد المسيح نفسه قال إن : « ابن الإنسان لم يأتِ ليُخْدَمَ بل ليَخْدِمْ وليبذل نفسه فدية عن كثيرين » ( مت٢٠:٢٨ ) .
٣ـ وما معنى الفدية إن لم تكن عوضاً عمن افتداهم ؟!!
لو كنا قد متنا مع المسيح يوم الفداء ؟ إننا فى هذه الحالة نكون قد دفعنا ثمن الخلاص بأنفسنا في يوم الصليب .
٤ـ نحن صلبنا مع السيد المسيح ودفنا معه يوم قبولنا لسر العماد المقدس ، كقول معلمنا بولس : « أم تجهلون أننا كل من اعتمد ليسوع المسيح اعتمدنا لموته . فدفنا معه بالمعمودية للموت حتى كما أقيم المسيح من الأموات بمجد الآب هكذا نسلك نحن أيضاً فى جدة الحياة ... عالمين هذا أن إنساننا العتيق قد صُلب معه » ( رو ٦ : ٣ ، ٤ ، ٦ ) .
إن الروح القدس بعمل فائق للطبيعة وفوق الزمان والمكان يعمل فى سر العماد ويأخذ مِن استحقاقات موت المسيح ويعطينا ... يمنحنا الغفران باستحقاقات دم صليبه ، ويمنحنا الطبيعة الجديدة التى تليق بحياة البنوة لله ، ويجعلنا أعضاء فى « جسده الذى هو الكنيسة »( ١ كو ١ : ٢٤ ) . النعمة الإلهية لا حدود لها أما نحن فمحدودون .
٥ـ نحن لم نكن موجودين قبل أن نوجد لكى نشارك المسيح تقديم نفسه فدية عن حياة العالم ، وكيف نكون موجودين من ألفى عام ؟ هل نأخذ حالة عدم المحدودية لكياننا البشرى المحدود بالزمان و المكان ؟!! نحن كنا فى صلب آدم حينما أخطأ فى الفردوس لأننا من نسله بحسب طبيعتنا البشرية ، ولكننا لسنا من نسل السيد المسيح بحسب طبيعتنا البشرية . لأن السيد المسيح لم ينجب نسلاً جسدياً مثل آدم ، بل الروح القدس يجدد هذه الطبيعة فى المعمودية ويمنحنا التبنى بالولادة الجديدة فى الماء والروح لأن « المولود من الجسد جسد هو والمولود من الروح هو روح » ( يو٣:٦ ) . نحن نصير أولاد الله فى المعمودية ، وننتقل من الانتساب إلى آدم إلى الانتساب إلى السيد المسيح ، طالما نكون ثابتين فيه ونحيا فى حياة القداسة والبر ، وبهذا نصير أعضاءً فى جسده أى الكنيسة التى هو رأسها .
٦ـ إن السيد المسيح قد اشترك فى طبيعتنا بلا خطية ، لكى يصير قادراً أن يموت نيابة عن جميع الذين افتداهم حينما حمل خطاياهم مسمراً بالصليب .
● عن هذا قال القديس أثناسيوس الرسولى فى كتاب تجسد الكلمة ، الفصل الثامن : ( وهكذا إذ أخذ من أجسادنا جسداً مماثلاً لطبيعتنا ، وإذ كان الجميع تحت قصاص فساد الموت ، فقد بذل جسده للموت عوضاً عن الجميع ، وقدمه للآب . كل هذا فعله شفقة منه علينا ، وذلك أولاً : لكى يبطل الناموس الذى كان يقضى بهلاك البشر ، إذ مات الكل فيه ، لأن سلطانه قد أكمل فى جسد الرب ولا يعود ينشب أظافره فى البشر الذين ناب عنهم . ثانياً : لكى يعيد البشر إلى عدم الفساد بعد أن عادوا إلى الفساد . ويحييهم من الموت بجسده وبنعمة القيامة ، وينقذهم من الموت كإنقاذ القش من النار ) .
● وأيضاً قال فى الفصل التاسع :
( وإذ رأى الكلمة أن فساد البشرية لا يمكن أن يبطل إلا بالموت كشرط لازم ، وأنه مستحيل أن يتحمل الكلمة الموت لأنه غير مائت ولأنه ابن الآب ، لهذا أخذ لنفسه جسداً قابلاً للموت حتى باتحاده بالكلمة ، الذى هو فوق الكل ، يكون جديراً أن يموت نيابة عن الكل وحتى يبقى فى عدم فساد بسبب الكلمة الذى أتى ليحل فيه وحتى يتحرر الجميع من الفساد ، فيما بعد ، بنعمة القيامة من الأموات . وإذ قدم للموت ذلك الجسد ، الذى أخذه لنفسه كمحرقة وذبيحة خالية من كل شائبة فقد رفع حكم الموت فوراً عن جميع من ناب عنهم إذ قدم عوضاً عنهم جسداً مماثلاً لأجسادهم ) .
● إن السيد المسيح قد ناب عن البشر الخطاة و صُلب بدلاً عنهم وأوفى الدين الذى علينا . لم يكن معه أحد على الصليب يوم صُلبَ لأنه هو المخلص الوحيد الذى ليس بأحد غيره الخلاص ، وهو الوحيد الذى بلا خطية ، والوحيد الذى يستطيع أن يحمل خطايا العالم كله ، ويكون فدية مقبولة أمام الآب السماوى لسبب بره الكامل وذبيحته الفائقة فى قيمتها فى نظر الله الآب ، لأنها ذبيحة الابن الوحيد « لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكى لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية » . ( يو ٣:١٦ )
٧ـ إن كان هناك أحد قد صُلب مع المسيح فى يوم الفداء على الجلجثة فلماذا دار الحوار التالى بين إشعياء النبى والسيد المسيح بروح النبوة :
ـ « من ذا الآتى من أدوم بثياب حمر من بصرة . هذا البهى بملابسه المتعظم بكثرة قوته ؟
ـ أنا المتكلم بالبر العظيم للخلاص .
ـ مابال لباسك محمر وثيابك كدائس المعصرة ؟
ـ قد دستُ المعصرة وحدى ومن الشعوب لم يكن معى أحد . فدستهم بغضبى ووطئتهم بغيظى فرش عصيرهم على ثيابى فلطخت كل ملابسى » ( إش ٦٣ : ١ـ٣ ) .
● أليس هذا هو المخلص يسوع المسيح الذى رآه يوحنا فى رؤيا راكباً فرساً أبيض « وهو متسربل بثوب مغموس بدم ويدعى اسمه كلمة الله . وهو يدوس معصرة خمر سخط وغضب الله ... رب الأرباب » ( رؤ١٩ :١٣-١٦ ) .
● لو كان أحد قد شارك المسيح فى يوم صلبه فلماذا قال : « من الشعوب لم يكن معى أحد » ( إش ٦٣ : ٢ ) . ولماذا قال لتلاميذه : « تأتى ساعة وقد أتت الآن تتفرقون فيها كل واحد إلى خاصته و تتركونى وحدي . وأنا لست وحدى لأن الآب معى ؟!!» . (يو١٦:٣٢) ، لو كان هناك من رعيته من صلب معه فلماذا قال لمن أرادوا أن يقبضوا عليه : « إن كنتم تطلبوننى فدعوا هؤلاء يذهبون » (يو ١٨:٨ ) . ولماذا قال : « أنا أضع نفسى عن الخراف » ( يو١٠:١٥ ) . ولما تنبأ قيافا وقال : « أنتم لستم تعرفون شيئاً ولا تفكرون أنه خير لنا أن يموت إنسان واحد عن الشعب ولا تهلك الأمة كلها . ولم يقل هذا من نفسه بل إذ كان رئيساً للكهنة فى تلك السنة تنبأ » ( يو١١ : ٤٩ ـ ٥١ ) .
● كيف يتجاسر أحد ويقول إنه قد شارك المسيح فى صلبه يوم الجلجثة وفى تقديم ذبيحة الفداء بينما يقول النبى إشعياء : « كلنا كغنم ضللنا . ملنا كل واحد إلى طريقه والرب وضع عليه إثم جميعنا » ( إش ٥٣:٦ ) .
٨ـ والسؤال الخطير الآن هو ما يلى ؟
إذا كنا قد صُلبنا مع المسيح فى يوم الصلب بحيث لم يصلب عنا بل صُلبَ بنا كما يقول البعض ، فهل نصلب معه مره ثانية فى المعمودية أم لا ؟!! و هل يجوز أن يتكرر الصليب بالنسبة له ، أو بالنسبة لنا ؟!! وما فائدة أسرار الكنيسة و المعمودية ؟ وما عمل الروح القدس فى الكنيسة؟
● نحن ننال شركة الموت مع المسيح فى المعمودية , ولهذا قال القديس بولس الرسول فى حديثه عن المعمودية : « إن كنا قد صرنا متحدين معه بشبه موته نصير أيضاً بقيامته » (رو ٦:٥ ) . و فى قوله : « صرنا متحدين معه » يدل على أن هذا شىء قد حدث فى وقت العماد ، ولم يكن حادثاً من قبل ، وإلا فما معنى الصيرورة هنا ( من كلمة صرنا ) !!
● إننا نحذر من هذا التعليم الغريب والخطير الذي يهدم عقيدة الفداء ، فينبغى أن نثبت على تعليم الآباء القديسين القدامى ، وتعليم قداسة البابا شنوده الثالث ، أطال الرب حياته.
نيافة الأنبا بيشوى
نيافة الأنبا بيشوى، مائة سؤال وجواب فى العقيدة المسيحية الأرثوذكسية، إعداد الإكليريكى الدكتور سامح حلمى إبراهيم، ط١ (دار نوبار للطباعة، ٢٠٠٤)، ٤١–٤٤.



