SPSA Church Giving (opens in a new tab)

بدع وهرطقات قديمة وحديثة · ٣٢

هل كون الآب وحده هو الذى لا يستمد وجوده من أقنوم آخر فإن هذا يعنى أنه يتفوق فى الجوهر على الابن وأيضاً على الروح القدس ؟

Faith Q&A ‹ مائة سؤال وجواب فى العقيدة المسيحية الأرثوذكسية ‹ بدع وهرطقات قديمة وحديثة

الجواب

● ببساطة شديدة : إذا كان الابن يستمد كينونته وجوهره بالولادة من الآب قبل كل الدهور ، فإن الآب لا يمكن أن يكون هو الإله الحقيقى بدون الابن وبدون الروح القدس .

● مثال لذلك نقول هل يجوز أن يسأل أحد إن كان الحكيم أعظم من الحكمة ، أم لا ؟ فالسؤال فى حد ذاته هو سؤال خطأ ، لأن الحكيم لا يحسب حكيماً بدون الحكمة النابعة منه . ومع أنه هو أصل الحكمة أو هو ينبوع الحكمة ، إلا أن الحكمة هى من صميم طبيعته وجوهره . فالفرق بين الحكمة والحكيم ليس فى جوهر الحكمة ، ولكن الفرق هو فيمن هو الينبوع ، ومن هو التيار ؟

● وهكذا تتمايز الأقانيم الثلاثة فيما بينها فى الخواص الأقنومية :

ـ فالآب : هو الأصل والينبوع .

ـ والابن : هو المولود من الآب .

ـ والروح القدس : هو المنبثق من الآب .

● ولقد استخدم القديس أثناسيوس تشبيه الينبوع والتيار فى وصف العلاقة بين الآب والابن ، فقال ما معناه أن الينبوع والتيار لهما نفس الماء الواحد ( مياه واحدة ) . الينبوع هو والد والتيار هو مولود . ولكن ينبوع الماء لا يلد تياراً من الزيت أو الزئبق أو أى سائل آخر . وبهذا لا نرى اختلافاً فى الجوهر بين الينبوع والتيار . فلا يمكن لينبوع ماء حلو أن ينتج تياراً من ماء مر أو ماء مالح . وقد تكلم القديس يعقوب الرسول عن هذه النقطة فقال : « ألعل ينبوعاً ينبع من نفس عين واحدة العذب والمر . هل تقدر يا إخوتى تينة أن تصنع زيتوناً أو كرمة تيناً ، ولا كذلك ينبوع يصنع ماء مالحاً وعذباً » ( يع ٣ : ١١ ، ١٢ ).

● ونص ما قاله القديس أثناسيوس هو : ( ولكن كما أن النهر الخارج من الينبوع لا ينفصل عنه ، وبالرغم من ذلك فإن هناك بالفعل شيئين مرئيين واسمين . لأن الآب ليس هو الابن ، كما أن الابن ليس هو الآب ، فالآب هو أب الابن ، والابن هو ابن الآب . وكما أن الينبوع ليس هو النهر ، والنهر ليس هوالينبوع ، ولكن لكيهما نفس الماء الواحد الذى يسرى فى مجرى من الينبوع إلى النهر ، وهكذا فإن لاهوت الآب ينتقل فى الابن بلا تدفق أو انقسام . لأن السيد المسيح يقول : « خرجتُ من الآب » و« أتيت من عند الآب » . ولكنه دائماً أبداً مع الآب ، وهو فى حضن الآب . وحضن الآب لا يخلو أبداً من الابن بحسب ألوهيته ) .1

● لأن القديس يوحنا الإنجيلى يقول : « الله لم يره أحد قط ، وحيد الجنس الإله الذى هو فى حضن الآب هو خبر » ( يو ١ : ١٨ ) . فحضن الآب لا يخلو أبداً من الابن حتى حينما تجسد وأرسله الآب إلى العالم وقال : « خرجت من عند الآب » ( يو ١٦ : ٢٨ ) .

● ويقول القديس أثناسيوس : ( كيف إذاً لا يكون كافراً من يقول : كان وقت ما عندما لم يكن الابن فيه موجوداً ، لأن هذا مثل الذى يقول تماماً كان هناك وقت كان فيه الينبوع جافاً خالياً من الحياة والحكمة ، ولكن مثل هذا الينبوع لا يكون ينبوعاً لأن الذى لا يلد من ذاته أى من نبعه الخاص لا يكون ينبوعاً ). ( المقالة الأولى ضد الأريوسية فصل ٦ : ١٩ ) وعلى هذا ، الينبوع إذا لم يلد لا يكون ينبوعاً ، فإذا ألغينا الابن فإننا نلغى الآب .

● وأكد القديس غريغوريوس الناطق بالإلهيات أن الأبوة بالنسبة للآب لا يمكن أن تكون صفة حادثة أو مكتسبة ولذلك رد على أفنوميوس الأريوسى وقال له : ( وتسألنى متى وُجد الابن ؟ فأجيبك : لقد وُجد الابن حينما لم يكن الآب آباً ) 2 وهو يقصد بذلك أن يبكت الهرطوقى ويُسكته ، لأنه لا يمكن أن يكون الآب ليس آباً ثم بدأ فى اكتساب الأبوه بأن خلق لنفسه ابناً فى زمن معين .

● ومثال ذلك نقول : إن العقل بغير الفكر لا يحسب عقلاً على الإطلاق ، فإذا كان العقل ليس له بداية فالفكر ليس له بداية ، ومع أن العقل والد والفكر مولود ، ومع أن العقل هو أصل الفكر إلا أن العقل لا يسبق الفكر فى الوجود .

● وكما قلنا سابقاً إن الحكيم لا يحسب حكيماً بغير الحكمة ، ولا توجد قوة فى الوجود تستطيع أن تسلخ الحكمة من الحكيم ، فإذا كان الحكيم يعطى للحكمة وجودها ، فإن الحكمة تؤكّد وتحقق للحكيم قيمته وحقيقة طبيعته ، لأنه إذا فقدها يفقد قيمته ويفقد كنهه ، وصفة جوهره .

● إن اللهب لا يحسب ناراً بغير حرارة نابعة منه ، فإذا فقد اللهب الحرارة ، لا يُدعى ناراً على الإطلاق . فما المفاضلة إذاً بين اللهب والحرارة ؟ إذا كان اللهب هو أصل الحرارة ، فإنه يُحسب ناراً بحرارته ، فإذا فقدها يفقد كنهه ويفقد قيمته . فكيف يسأل سائل أيهما أعظم اللهب أم الحرارة النابعة منه ؟! لا يوجد لهب بدون حرارة ، ولا توجد حرارة بدون لهب .

● وختاماً لهذه القضية نقول : إن الفرق بين الآب والابن ليس هو فى الجوهر ولا فى الكينونة ولا فى الوجود ، بل هو فقط فى حالة الوجود . فهل يختلف جوهرك أنت إذا كنت جالساً على كرسى أو كنت تجرى بسرعة ؟ إن الفرق هو فى حالة الوجود وليس فى الوجود .

● كل والد يلد مولوداً من نفس جوهره وطبيعته ، لكن فى حالة أى كائن فإن المولود يكون كائناً مستقلاً ويحدث انفصال رغم أن الوالد يلد كائناً مساوياً له فى الجوهر . أما فى الثالوث فإن الولادة هى خارج الزمن ، فليس هناك بداية وليس هناك سابق ومسبوق . هى مثل ولادة الفكر من العقل . فبما أن الآب هو ينبوع الحكمة والابن هو الحكمة ، إذاً لا يمكن فصلهما عن بعضهما البعض . لا يوجد انفصال فى الثالوث بل الولادة هى مثل ولادة التيار من الينبوع ، والفكر من العقل ، والشعاع من النور .

● ولقد شرح القديس غريغوريوس الثيئولوغوس فى حواره مع إفنوميوس وقال ما معناه : كيف تدَّعى أن صفات الأبوة والبنوة تُغير الجوهر ما بين الآب والابن ؟ هل يمكن أن يلد الإنسان غزالاً أو قرداً ؟! إن الوالد يلد كائناً مساوياً له فى الجوهر . فالأبوة خاصية تتعلق بالأقنوم ولا تتعلق بالجوهر . لأنها خاصية أقنومية ، وليست من خواص الجوهر .

نيافة الأنبا بيشوى

الهوامش

P. Schaff & H. Wace, N & P. N. Fathers, Series, 2, Vol IV, Saint Athanasius, Exposito Fidei (Statement of Faith) P . 84,85, Eerdmans Pub. 1978 .

P. Schaff & H. Wace, N & P. N. Fathers, Series, 2, Vol VII, 3rd Theological Oration, Article III P. 301, 302 Hendrichson Publishers, June 1995 .

نيافة الأنبا بيشوى، مائة سؤال وجواب فى العقيدة المسيحية الأرثوذكسية، إعداد الإكليريكى الدكتور سامح حلمى إبراهيم، ط١ (دار نوبار للطباعة، ٢٠٠٤)، ٤٧–٤٩.

الصفحات فى الكتاب (٤٧، ٤٨، ٤٩)صفحة ٤٧ من الكتابصفحة ٤٨ من الكتابصفحة ٤٩ من الكتاب

نيافة الأنبا بيشوى، مطران دمياط وكفر الشيخ والبرارى، مائة سؤال وجواب فى العقيدة المسيحية الأرثوذكسية. إعداد الإكليريكى الدكتور سامح حلمى إبراهيم. الطبعة الأولى أكتوبر ٢٠٠٤م ، دار نوبار للطباعة.