الجواب
● ببساطة شديدة : إذا كان الابن يستمد كينونته وجوهره بالولادة من الآب قبل كل الدهور ، فإن الآب لا يمكن أن يكون هو الإله الحقيقى بدون الابن وبدون الروح القدس .
● مثال لذلك نقول هل يجوز أن يسأل أحد إن كان الحكيم أعظم من الحكمة ، أم لا ؟ فالسؤال فى حد ذاته هو سؤال خطأ ، لأن الحكيم لا يحسب حكيماً بدون الحكمة النابعة منه . ومع أنه هو أصل الحكمة أو هو ينبوع الحكمة ، إلا أن الحكمة هى من صميم طبيعته وجوهره . فالفرق بين الحكمة والحكيم ليس فى جوهر الحكمة ، ولكن الفرق هو فيمن هو الينبوع ، ومن هو التيار ؟
● وهكذا تتمايز الأقانيم الثلاثة فيما بينها فى الخواص الأقنومية :
ـ فالآب : هو الأصل والينبوع .
ـ والابن : هو المولود من الآب .
ـ والروح القدس : هو المنبثق من الآب .
● ولقد استخدم القديس أثناسيوس تشبيه الينبوع والتيار فى وصف العلاقة بين الآب والابن ، فقال ما معناه أن الينبوع والتيار لهما نفس الماء الواحد ( مياه واحدة ) . الينبوع هو والد والتيار هو مولود . ولكن ينبوع الماء لا يلد تياراً من الزيت أو الزئبق أو أى سائل آخر . وبهذا لا نرى اختلافاً فى الجوهر بين الينبوع والتيار . فلا يمكن لينبوع ماء حلو أن ينتج تياراً من ماء مر أو ماء مالح . وقد تكلم القديس يعقوب الرسول عن هذه النقطة فقال : « ألعل ينبوعاً ينبع من نفس عين واحدة العذب والمر . هل تقدر يا إخوتى تينة أن تصنع زيتوناً أو كرمة تيناً ، ولا كذلك ينبوع يصنع ماء مالحاً وعذباً » ( يع ٣ : ١١ ، ١٢ ).
● ونص ما قاله القديس أثناسيوس هو : ( ولكن كما أن النهر الخارج من الينبوع لا ينفصل عنه ، وبالرغم من ذلك فإن هناك بالفعل شيئين مرئيين واسمين . لأن الآب ليس هو الابن ، كما أن الابن ليس هو الآب ، فالآب هو أب الابن ، والابن هو ابن الآب . وكما أن الينبوع ليس هو النهر ، والنهر ليس هوالينبوع ، ولكن لكيهما نفس الماء الواحد الذى يسرى فى مجرى من الينبوع إلى النهر ، وهكذا فإن لاهوت الآب ينتقل فى الابن بلا تدفق أو انقسام . لأن السيد المسيح يقول : « خرجتُ من الآب » و« أتيت من عند الآب » . ولكنه دائماً أبداً مع الآب ، وهو فى حضن الآب . وحضن الآب لا يخلو أبداً من الابن بحسب ألوهيته ) .1
● لأن القديس يوحنا الإنجيلى يقول : « الله لم يره أحد قط ، وحيد الجنس الإله الذى هو فى حضن الآب هو خبر » ( يو ١ : ١٨ ) . فحضن الآب لا يخلو أبداً من الابن حتى حينما تجسد وأرسله الآب إلى العالم وقال : « خرجت من عند الآب » ( يو ١٦ : ٢٨ ) .
● ويقول القديس أثناسيوس : ( كيف إذاً لا يكون كافراً من يقول : كان وقت ما عندما لم يكن الابن فيه موجوداً ، لأن هذا مثل الذى يقول تماماً كان هناك وقت كان فيه الينبوع جافاً خالياً من الحياة والحكمة ، ولكن مثل هذا الينبوع لا يكون ينبوعاً لأن الذى لا يلد من ذاته أى من نبعه الخاص لا يكون ينبوعاً ). ( المقالة الأولى ضد الأريوسية فصل ٦ : ١٩ ) وعلى هذا ، الينبوع إذا لم يلد لا يكون ينبوعاً ، فإذا ألغينا الابن فإننا نلغى الآب .
● وأكد القديس غريغوريوس الناطق بالإلهيات أن الأبوة بالنسبة للآب لا يمكن أن تكون صفة حادثة أو مكتسبة ولذلك رد على أفنوميوس الأريوسى وقال له : ( وتسألنى متى وُجد الابن ؟ فأجيبك : لقد وُجد الابن حينما لم يكن الآب آباً ) 2 وهو يقصد بذلك أن يبكت الهرطوقى ويُسكته ، لأنه لا يمكن أن يكون الآب ليس آباً ثم بدأ فى اكتساب الأبوه بأن خلق لنفسه ابناً فى زمن معين .
● ومثال ذلك نقول : إن العقل بغير الفكر لا يحسب عقلاً على الإطلاق ، فإذا كان العقل ليس له بداية فالفكر ليس له بداية ، ومع أن العقل والد والفكر مولود ، ومع أن العقل هو أصل الفكر إلا أن العقل لا يسبق الفكر فى الوجود .
● وكما قلنا سابقاً إن الحكيم لا يحسب حكيماً بغير الحكمة ، ولا توجد قوة فى الوجود تستطيع أن تسلخ الحكمة من الحكيم ، فإذا كان الحكيم يعطى للحكمة وجودها ، فإن الحكمة تؤكّد وتحقق للحكيم قيمته وحقيقة طبيعته ، لأنه إذا فقدها يفقد قيمته ويفقد كنهه ، وصفة جوهره .
● إن اللهب لا يحسب ناراً بغير حرارة نابعة منه ، فإذا فقد اللهب الحرارة ، لا يُدعى ناراً على الإطلاق . فما المفاضلة إذاً بين اللهب والحرارة ؟ إذا كان اللهب هو أصل الحرارة ، فإنه يُحسب ناراً بحرارته ، فإذا فقدها يفقد كنهه ويفقد قيمته . فكيف يسأل سائل أيهما أعظم اللهب أم الحرارة النابعة منه ؟! لا يوجد لهب بدون حرارة ، ولا توجد حرارة بدون لهب .
● وختاماً لهذه القضية نقول : إن الفرق بين الآب والابن ليس هو فى الجوهر ولا فى الكينونة ولا فى الوجود ، بل هو فقط فى حالة الوجود . فهل يختلف جوهرك أنت إذا كنت جالساً على كرسى أو كنت تجرى بسرعة ؟ إن الفرق هو فى حالة الوجود وليس فى الوجود .
● كل والد يلد مولوداً من نفس جوهره وطبيعته ، لكن فى حالة أى كائن فإن المولود يكون كائناً مستقلاً ويحدث انفصال رغم أن الوالد يلد كائناً مساوياً له فى الجوهر . أما فى الثالوث فإن الولادة هى خارج الزمن ، فليس هناك بداية وليس هناك سابق ومسبوق . هى مثل ولادة الفكر من العقل . فبما أن الآب هو ينبوع الحكمة والابن هو الحكمة ، إذاً لا يمكن فصلهما عن بعضهما البعض . لا يوجد انفصال فى الثالوث بل الولادة هى مثل ولادة التيار من الينبوع ، والفكر من العقل ، والشعاع من النور .
● ولقد شرح القديس غريغوريوس الثيئولوغوس فى حواره مع إفنوميوس وقال ما معناه : كيف تدَّعى أن صفات الأبوة والبنوة تُغير الجوهر ما بين الآب والابن ؟ هل يمكن أن يلد الإنسان غزالاً أو قرداً ؟! إن الوالد يلد كائناً مساوياً له فى الجوهر . فالأبوة خاصية تتعلق بالأقنوم ولا تتعلق بالجوهر . لأنها خاصية أقنومية ، وليست من خواص الجوهر .
نيافة الأنبا بيشوى
الهوامش
P. Schaff & H. Wace, N & P. N. Fathers, Series, 2, Vol IV, Saint Athanasius, Exposito Fidei (Statement of Faith) P . 84,85, Eerdmans Pub. 1978 .
P. Schaff & H. Wace, N & P. N. Fathers, Series, 2, Vol VII, 3rd Theological Oration, Article III P. 301, 302 Hendrichson Publishers, June 1995 .
نيافة الأنبا بيشوى، مائة سؤال وجواب فى العقيدة المسيحية الأرثوذكسية، إعداد الإكليريكى الدكتور سامح حلمى إبراهيم، ط١ (دار نوبار للطباعة، ٢٠٠٤)، ٤٧–٤٩.


