SPSA Church Giving (opens in a new tab)

بدع وهرطقات قديمة وحديثة · ٣٦

كيف نرد على هرطقة مقدونيوس ؟

Faith Q&A ‹ مائة سؤال وجواب فى العقيدة المسيحية الأرثوذكسية ‹ بدع وهرطقات قديمة وحديثة

الجواب

(١) لقد نسى هذا المسكين أن الابن أيضاً قال عنه الوحى الإلهى : « لا يقدر الابن أن يعمل من نفسه شيئاً إلا ما ينظر الآب يعمل » ( يو ٥ : ١٩ ) . فهذا المسكين لو قرأ هذه الآية بتمعن لما اعتبر أن عبارة الروح القدس « لا يتكلم من نفسه » تؤدى إلى إقلال شأن الروح القدس عن الابن . كما أن كون الابن لا يعمل من نفسه شيئاً لا تقلل الابن عن الآب . فإذا اتبعنا هذه القاعدة التى اتبعها مقدونيوس لأنكرنا ألوهية الابن أيضاً لأنه قال : « لا يقدر الابن أن يعمل من نفسه شيئاً إلا ما ينظر الآب يعمل » ( يو ٥ : ١٩ ) .

● إن كلاً من العبارتين معناها أن أقنوم الابن وأقنوم الروح القدس لا يعمل الواحد منهما منفصلاً عن الأقنومين الآخرين . فلا الابن يعمل منفصلاً عن الآب والروح القدس ، ولا الروح القدس يعمل منفصلاً عن الابن والآب . ( وهذا يؤكد وحدانية الجوهر الإلهى ) .

(٢) لأنه كما قال الآباء ، مثل القديس أثناسيوس : ( الآب يفعل كل الأشياء من خلال الكلمة فى الروح القدس ) .1

ـ ومثله قال القديس غريغوريوس أسقف نيصص : ( كل عملية تأتى من الله إلى الخليقة بحسب فهمنا المتنوع لها ـ نسميها طاقة أو قدرة أو خلاص أو هبة أو موهبة أو عطية ... إلخ ـ لها أصلها من الآب وتأتى إلينا من خلال الابن وتكتمل فى الروح القدس ) .2

ـ إن وحدانية الآب والابن التى قال عنها السيد المسيح إنه هو والآب واحد ( يو ١٠ : ٣٠ ) هى السبب فى أنه لا يقدر الابن أن يعمل من نفسه شيئاً ، لأن قدرة واحدة هى للآب والابن والروح القدس .

(٣) وقد أوضح القديس يوحنا ذهبى الفم خطأ تعليم مقدونيوس ، فى شرح عبارة أن الروح القدس « يأخذ مما للمسيح ويخبرنا » وأنه « لا يتكلم من نفسه » فذكر الآتى :

● إن الله حينما أراد أن يقيم سبعين شيخاً لمعاونة موسى النبى فى رعاية شعب إسرائيل قال الرب لموسى : « آخذ من الروح الذى عليك وأضع عليهم » ( عد ١١ : ١٧ ) . فهل كان الله أقل من موسى النبى ؟!... حاشا وهل الله يستدين ( يستلف ) من موسى الروح القدس ( أى مواهبه ) ؟!

● إن السبب فى ذلك طبعاً ، وبدون أى جدال ويسد كل فم ، أن الله أراد أن يثبت للشيوخ السبعين أنهم يعاونون موسى ولا ينفصلون عنه ، بل يعملون فى انسجام ووحدانية ، لكى لا يحدث انقسام فى الجماعة .

● هكذا أيضاً الروح القدس يأخذ مما للسيد المسيح ويخبرنا ليس لأنه أقل من الابن كما ادّعى مقدونيوس ، بل لكى يؤكّد أن المسيح هو رأس الكنيسة ، وتكون العطايا والمواهب التى تمنح لنا هى من خلال السيد المسيح ، ونكون نحن أعضاء فى جسده الواحد . فالروح القدس كما أنه هو روح الآب ، فهو أيضاً روح الابن ، أو روح المسيح ، كما هو مكتوب .

(٤) الروح القدس يأخذ مما للمسيح ويخبرنا ولا يتكلم من نفسه ، لأن أى إنسان يستطيع أن يدَّعى أن الروح القدس يحل عليه ، وأنه يأخذ وحياً من الروح القدس . والقديس يوحنا الرسول يقول : « لا تصدقوا كل روح بل امتحنوا الأرواح هل هى من الله لأن أنبياء كذبة كثيرين قد خرجوا إلى العالم . بهذا تعرفون روح الله . كل روح يعترف بيسوع المسيح أنه قد جاء فى الجسد فهو من الله » ( ١ يو ٤ : ١ ، ٢ ) . ونظراً لأن الكتاب يقول إن أنبياء كذبة كثيرين قد خرجوا إلى العالم ، فكيف نعرف الروح القدس الحقيقى ( أى روح الله ) إلا إذا كان لا يتكلم من نفسه ، أى أنه يشهد للمسيح ويشهد أن المسيح هو الابن المولود من الآب قبل كل الدهور . كما قال القديس يوحنا الإنجيلى فى نفس الرسالة : « ونعلم أن ابن الله قد جاء وأعطانا بصيرة لنعرف الحق . ونحن فى الحق فى ابنه يسوع المسيح . هذا هو الإله الحق والحياة الأبدية » ( ١ يو ٥ : ٢٠ ) . فالروح الذى يشهد لألوهية السيد المسيح ولتجسده وموته وقيامته من أجل خلاص العالم تكون شهادته هى شهادة حق ، ويكون هو الروح القدس الحقيقى .

● من المعروف أن أنبياء كثيرين خرجوا إلى العالم ، وأن أياً منهم قد يدّعى أن الروح القدس هو الذى يملى عليه ما قاله وما علَّم به . فكيف نعرف هذا إلا إذا كان الروح القدس الحقيقى له مواصفات ؟

● هذه هى الأسباب التى جعلت السيد المسيح يعطى تعريفاً محدداً للروح القدس حينما قال : « ذاك يمجدنى لأنه يأخذ مما لى ويخبركم . كل ما للآب هو لى . لهذا قلت إنه يأخذ مما لى ويخبركم » ( يو ١٦ : ١٤ ، ١٥ ) . إذاً فهو لا يأخذ فقط مما للابن ويخبرنا ، بل ويأخذ أيضاً مما للآب ويخبرنا ، لأن كل ما للآب هو للابن ، لذلك أكمل السيد المسيح قوله وقال : « لهذا قلت إنه يأخذ مما لى ويخبركم » .

(٥) وعن أقنومية الروح القدس :

● قال السيد المسيح : « ومتى جاء المعزى الذى سأرسله أنا إليكم من الآب » ( يو ١٥ : ٢٦ ) . معنى ذلك أن الروح القدس ليس هو الابن .

● وقال كذلك : « أنا أطلب من الآب فيعطيكم معزياً آخر ليمكث معكم إلى الأبد . روح الحق » ( يو ١٤ : ١٦ ، ١٧ ) . فكلمة ( آخر ) هنا لا تعنى انفصاله عن الآب أو عن الابن ، بل تعنى أن له شخصيته الخاصة المتمايزة ، وأنه أقنوم آخر .

● « قال الروح القدس أفرزوا لى برنابا وشاول للعمل الذى دعوتهما إليه » ( أع ١٣ : ٢ ) . عبارة « قال الروح القدس » تدل على أنه يتكلم ، وعبارة « أفرزوا لى » تشير إلى شخصية الروح القدس إذ أنه المتكلم صاحب ضمير الملكية . وليس هذا فقط بل قال السيد المسيح : « ذاك يمجدنى » ( يو ١٦ : ١٤ ) . وكلمه ذاك تقال عن شخص أو أقنوم وليس عن مجرد قوة أو طاقة . وقال عنه أيضاً : « متى جاء ذاك روح الحق » ( يو ١٦ : ١٣ ) . فقال السيد المسيح عنه : « ذاك » ، وقال عنه : « جاء » ، وقال عنه : « يتكلم » ، وقال عنه : « يسمع » ، وقال عنه : « يأخذ » ، وقال عنه : « يخبر » ، وقال عنه : « يشهد » .

● كل هذه الأشياء التى قيلت عن الروح القدس تدل على أقنوميته . فكما أن الابن له شخصيته الحقيقية التى أدركناها حينما جاء لخلاص العالم ، فالروح القدس أيضاً له شخصيته الحقيقية التى أدركناها حينما جاء ليقود الكنيسة ويشهد للمسيح ويعمل فى الأسرار .

نيافة الأنبا بيشوى

الهوامش

القديس أثناسيوس الرسولى : الرسالة الأولى إلى سيرابيون ، ف ٢٨ عن الروح القدس . القديس أثناسيوس الرسولى : الرسالة الثالثة إلى سيرابيون ، ف ٥ عن الروح القدس .

N. & P.N. Fathers, Series 2, Vol. V, Gregory of Nyssa, Eerdmans Pub. 1978, p. 334

نيافة الأنبا بيشوى، مائة سؤال وجواب فى العقيدة المسيحية الأرثوذكسية، إعداد الإكليريكى الدكتور سامح حلمى إبراهيم، ط١ (دار نوبار للطباعة، ٢٠٠٤)، ٥٤–٥٧.

الصفحات فى الكتاب (٥٤، ٥٥، ٥٦، ٥٧)صفحة ٥٤ من الكتابصفحة ٥٥ من الكتابصفحة ٥٦ من الكتابصفحة ٥٧ من الكتاب

نيافة الأنبا بيشوى، مطران دمياط وكفر الشيخ والبرارى، مائة سؤال وجواب فى العقيدة المسيحية الأرثوذكسية. إعداد الإكليريكى الدكتور سامح حلمى إبراهيم. الطبعة الأولى أكتوبر ٢٠٠٤م ، دار نوبار للطباعة.