الجواب
للرد على أفكار نسطور الهرطوقية نقول :
● حينما جاء أقنوم كلمة الله للتجسد لم يضف شخصاً آخر على نفسه بل شخَّص الطبيعة البشرية فيه ، فالسيد المسيح كما قال القديس كيرلس الكبير لم يتخذ شخصاً من البشر ، ولكنه أخذ الطبيعة البشرية من العذراء مريم التى ولدته ، أى أن أقنوم الكلمة أخذ الطبيعة البشرية وصاغها فيه ، وصارت خاصة به شخصياً .
He made it his very own
● طبيعة السيد المسيح هى كما قال القديس كيرلس الكبير : ( طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة ، وباللغة اليونانية : ميا فيزيس تو ثيئو لوغو سيساركومينى ) .
● نحن نؤمن أن أقنوم كلمة الله المولود من الآب قبل كل الدهور هو هو نفسه الذى تجسد ووُلد من العذراء فى ملء الزمان ، ولهذا فإن كلمة الله له ميلادان :
ـ الميلاد الأول : أزلى بحسب ولادته من الآب .
ـ الميلاد الثانى : زمنى بحسب ناسوته من العذراء مريم .
الكلمة الأزلى هو نفسه اتخذ جسداً وولد من العذراء مريم ، ولم يتخذ شخصاً بشرياً بل اتخذ الجسد الحى بروح عاقل الذى من العذراء مريم .
● وقد أكّد بولس الرسول ذلك بقوله : « يسوع المسيح هو هو أمساً واليوم وإلى الأبد » ( عب ١٣ : ٨ ) . أى ان ابن الله هو هو نفسه صار ابناً للإنسان ، وابن الإنسان الذى هو يسوع المسيح ليس شخصاً آخر غير ابن الله الكلمة .
● فالمولود من الآب قبل كل الدهور قد أتى وحل فى الحشا البتول غير الدنس ، وتجسد من مريم العذراء بواسطة الروح القدس ، وصار إنساناً بمعنى أن الله ظهر فى الجسد أو أن الإله قد تأنس « عظيم هو سر التقوى الله ظهر فى الجسد » ( ١ تى ٣ : ١٦ ) .
● فنحن نؤمن أن الإله قد تأنّس ، وليس أن إنساناً قد تأله ، وصار إلهاً أو صار مساوياً لله فى الكرامة . كما نقول فى ثيئوطوكية الاثنين : ( أشرق جسدياً من العذراء بغير زرع بشر حتى خلّصنا ) . ونقول أيضاً فى ثيئوطوكية الخميس : ( لم يزل إلهاً أتى وصار ابن بشر ، لكنه هو الإله الحقيقى أتى وخلصنا ) .
● والإله المتأنس حينما مات على الصليب لم يمت بحسب لاهوته بل مات بالجسد ، كما نصلى ونقول : ( يا من ذاق الموت بالجسد ) فى قطع الساعة التاسعة .
● ومن المعلوم طبعاً أن الشهيد مثلاً حينما يُقتل فإن جسده هو الذى يُقتل وليس روحه ، كما قال السيد المسيح : « لا تخافوا من الذين يقتلون الجسد ولكن النفس لا يقدرون أن يقتلوها » ( مت ١٠ : ٢٨ ) . فمن باب أولى حينما صُلب السيد المسيح فالذى مات على الصليب ليس هو لاهوته وليس هو روحه الإنسانى ، بل الذى مات على الصليب هو جسده أما روحه الإنسانى فلم يمت .
لذلك قال القديس بطرس عن السيد المسيح : « مماتاً فى الجسد ولكن محيىً فى الروح الذى فيه أيضاً ذهب فكرز للأرواح التى فى السجن » ( ١ بط ٣ : ١٨ ، ١٩ ) .
● ولذلك نصلى فى القداس ونقول : ( نزل إلى الجحيم من قبل الصليب ) أى أن روحه الذى سلمه فى يدى الآب حينما قال : « يا أبتاه فى يديك أستودع روحى » ( لو ٢٣ : ٤٦ ) . قد ذهب متحداً باللاهوت ليحرر الذين فى السجن بعد أن يكرز لهم بإتمام الفداء ، وجسده المتحد باللاهوت قد وُضع فى القبر ولم ير فساداً . وعندما عاد روحه واتحد مع جسده قام من الأموات فى اليوم الثالث بقوة لاهوته .
● لقد قال الرب : « قبلى لم يصور إله وبعدى لا يكون . أنا أنا الرب وليس غيرى مخلص ... أنتم شهودى يقول الرب وأنا الله » ( إش ٤٣ : ١٠ ـ ١٢ ) . من المتكلم هنا أليس هو الرب ؟ أليس هو المخلص ؟ أليس هو الإله الوحيد الذى قال عن نفسه : « أنا هو الأول والآخر والحى وكنت ميتاً . وها أنا حى إلى أبد الآبدين آمين » ( رؤ ١ : ١٧ ، ١٨ ) . أليس هو أقنوم الابن المتجسد الذى قال لتلاميذه : « وتكونون لى شهوداً » ( أع ١ : ٨ ) ؟
● إن السيد المسيح قد وُلد من العذراء بحسب الجسد ، لكنه لم يتخذ لاهوته منها . هو هو الذى وُلد من الآب بحسب لاهوته قبل كل الدهور هو هو نفسه الذى تجسد ووُلد من العذراء بحسب ناسوته فى ملء الزمان . ولذلك هو الذى قال عن نفسه لليهود : « الحق الحق أقول لكم قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن » ( يو ٨ : ٥٨ ) .
● لقد حاول البابا كيرلس عمود الدين كثيراً أن يشرح هذه الأمور لنسطور دون جدوى . وقال له : ( إن ما ينسب إلى جسد الله الكلمة ينسب إلى الله الكلمة ) ، وقال له : ( يعتبر فاقد العقل من يقول إن اللاهوت تغير أو إنه اتخذ بدءاً من العذراء ، أو إن اللاهوت تألم ) . وقال له : ( لأننا نقول إن من وُلد من العذراء مريم هو الله الكلمة لذلك لابد أن نسميها والدة الإله على اعتبار أن من وُلد منها ليس آخر لأن : « يسوع المسيح هو هو أمساً واليوم وإلى الأبد »( عب ١٣ : ٨ ) ) .
● وفى قانون الإيمان النيقاوى القسطنطينى الذى يعترف به نسطور نفسه نقول : ( نؤمن برب واحد يسوع المسيح ابن الله الوحيد المولود من الآب قبل كل الدهور) فهل وُلد يسوع المسيح من الآب قبل كل الدهور ؟ للرد نقول : إن يسوع المسيح الذى وُلد من العذراء هو نفسه المولود من الآب قبل كل الدهور .
● ولكى يؤكّد السيد المسيح وحدة الشخص فيه قال لنيقوديموس : « ليس أحد صعد إلى السماء إلا الذى نزل من السماء ابن الإنسان الذى هو فى السماء » ( يو ٣ : ١٣ ) . فكيف يقول السيد المسيح لنيقوديموس وهو جالس أمامه إن ابن الإنسان هو فى السماء ؟ إن هذا لا يمكن أن يُفهم إلا إذا كان ابن الإنسان هو نفسه ابن الله المالئ الوجود كله بحسب لاهوته ، ولأنه هو هو نفسه فمن الممكن أن ينسب إلى لقبه الإنسانى ما يخص طبيعته الإلهية ، وأن ينسب إلى لقبه الإلهي ما يخص طبيعته الإنسانية مثل قوله لنيقوديموس : « هكذا أحبّ الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكى لا يهلك كل من يؤمن به ، بل تكون له الحياة الأبدية » ( يو ٣ : ١٦ ) . وهو هنا قد استخدم لقبه الإلهى ( الابن الوحيد الجنس Monogenis ) فى الإشارة إلى صلبه .
نيافة الأنبا بيشوى
نيافة الأنبا بيشوى، مائة سؤال وجواب فى العقيدة المسيحية الأرثوذكسية، إعداد الإكليريكى الدكتور سامح حلمى إبراهيم، ط١ (دار نوبار للطباعة، ٢٠٠٤)، ٦٢–٦٤.


