الجواب
● إن هذه العقيدة ابتدعها البابا بيوس الرومانى فى سنة ١٩٥٠ م ، وهى تختلف تماماً مع عقيدتنا نحن فيما استلمناه من التقليد عن صعود جسد السيدة العذراء فقط بعد نياحتها . بمعنى أنها لم تقم بعد من الأموات ، وإنما جسدها فقط قد حملته الملائكة إلى موضع خاص فى السماء ، ولكن لا نعلم أين يوجد جسد السيدة العذراء فى الوقت الحاضر ، كما لا نعلم بالتحديد أين يوجد إيليا وأخنوخ الآن .
وتتعارض عقيدة الكاثوليك هذه مع نصوص الكتاب المقدس :
● مثل قول القديس بولس : « هوذا سر أقوله لكم لا نرقد كلنا ولكن كلنا نتغير فى لحظة فى طرفة عين عند البوق الأخير فإنه سيبوق فيقام الأموات عديمى فساد ونحن نتغير » ( ١ كو ١٥ : ٥١ ، ٥٢ ) . ويلاحظ فى قول القديس بولس ( كلنا ) فهو لم يستثنِ أحداً مثلما يستثنى الكاثوليك السيدة العذراء من القيامة الأخيرة ... وطبعاً المقصود بالبوق الأخير مجئ الرب الثانى من السموات .
● كذلك قال السيد المسيح لتلاميذه : « أنا أمضى لأعد لكم مكاناً وإن مضيت وأعددت لكم مكاناً آتى أيضاً وآخذكم إلىَّ حتى حيث أكون أنا تكونون أنتم أيضاً » . ( يو ١٤ : ٢ ، ٣ )
فهل هناك ثلاثة مجيئات للسيد المسيح ؟
ـ المجئ الأول : فى تجسده وصلبه وقيامته وصعوده .
ـ والمجئ الثانى : لكى يأخذ السيدة العذراء خصيصاً ، تاركاً القدس السماوى بلا شفيع .
ـ والمجئ الثالث : ليأخذ باقى القديسين .
احتجاج والرد عليه :
● وقد يحتج البعض بما هو وارد فى الأيقونات الخاصة بنياحة السيدة العذراء بأن السيد المسيح قد استقبل روحها الطاهرة فى هيئة طفلة صغيرة ومن حوله الملائكة . وذلك قبل صعود جسدها حيث كان الجسد مسجى على فراشها ومن حوله الآباء الرسل .
● ونجيب على ذلك : بأن أى ظهور للسيد المسيح لا يعنى مجيئه ثانية إلى العالم ، لأن هذا الظهور يكون مشابهاً لظهوراته السابقة للتجسد ، ولا يعنى خروجه من قدس الأقداس بجسده الذى صعد به إلى أعلى السموات بعد قيامته من الأموات .
نكرر ونقول : كل الظهورات التى للسيد المسيح فى العهد الجديد بعد الصعود هى مثل ظهورات الله فى العهد القديم ، أو قد تنفتح السموات ويظهر بجسده المقام من الأموات فى مجده بقدر ما يحتمل الرائى ، مثلما رآه شاول الطرسوسى قبيل إيمانه وفقده لبصره ، ومثلما رآه إسطفانوس وصار وجهه كوجه ملاك ... لكن لا يخرج إطلاقاً جسد السيد المسيح من قدس الأقداس حيث صعد إلى السماء العليا إلا فى مجيئه الثانى المخوف المرهوب المملوء مجداً .
السيد المسيح دخل إلى الأقداس مرة واحدة :
● لا يفوتنا هنا قول معلمنا القديس بولس إن السيد المسيح قد « دخل إلى الأقداس مرة واحدة فوجد فداء أبدياً » ( عب ٩ : ١١ ، ١٢ ) .
● وقوله أيضاً : « إذ لنا رئيس كهنة عظيم قد اجتاز السموات يسوع ابن الله » . ( عب ٤ : ١٤ )
● وقوله أيضاً : « لأنه كان يليق بنا رئيس كهنة مثل هذا قدوس بلا شر ولا دنس قد انفصل عن الخطاة وصار أعلى من السموات » ( عب ٧ : ٢٦ ) . وهنا نقف أمام هذه العبارة : إن صعود السيد المسيح إلى السموات العليا هو مرتبط برئاسة كهنوته وشفاعته الكفارية أمام الآب ... فهل يوجد شفيع كفارى آخر غير السيد المسيح ؟ ... إن شفاعة العذراء هى شفاعة توسلية ، ولكن الكاثوليك يريدونها أن تحسب كشريكة فى الفداء ( Coredeemer ) . ويتضح هذا من الآيات الآتية :
كهنوت السيد المسيح يمارس فى القدس السماوى :
ـ « وأما رأس الكلام فهو أن لنا رئيس كهنة مثل هذا قد جلس فى يمين عرش العظمة فى السموات خادماً للأقداس والمسكن الحقيقى الذى نصبه الرب لا إنسان » . ( عب ٨ : ١ ، ٢ )
ـ وأضاف أيضاً : « إنه لو كان ( المسيح ) على الأرض لما كان كاهناً إذ يوجد الكهنة الذين يقدمون قرابين حسب الناموس ( كهنة اليهود ) الذين يخدمون شبه السماويات وظلها » ( عب ٨ : ٤ ، ٥ ) .
ـ ومعنى ذلك أن كهنوت السيد المسيح باعتباره هو رئيس الكهنة الأعظم لابد أن يُمارس فى القدس السماوى وليس على الأرض ، وحضوره أمام الآب هو سر الغفران الذى نناله نحن جميعاً كقول القديس يوحنا : « إن أخطأ أحد فلنا شفيع عند الآب يسوع المسيح البار وهو كفارة لخطايانا » ( ١ يو ٢ : ١ ، ٢ ) .
ـ وأكد القديس بولس الرسول نفس المعنى بقوله : « لأن المسيح لم يدخل إلى أقداس مصنوعة بيد أشباه الحقيقية بل إلى السماء عينها ليظهر الآن أمام وجه الله لأجلنا » . ( عب ٩ : ٢٤ )
● وقد أكد القديس بولس أن يسوع قد دخل كسابق لأجلنا فقال : « حيث دخل يسوع كسابق لأجلنا صائراً على رتبة ملكى صادق رئيس كهنة إلى الأبد » ( عب ٦ : ٢٠ ) .
● بدخوله إلى قدس الأقداس أعطى لكهنة العهد الجديد الحق فى تقديم ذبيحة الإفخارستيا خبزاً وخمراً على طقس ملكى صادق ، فلا يمكننا أن نقدس نحن القداس الإلهى ككهنة العهد الجديد إلا حينما يكون السيد المسيح خادماً فى الأقداس كرئيس كهنة أعظم .
لذلك حينما رأى القديس يوحنا رؤياه قال :
ـ « ورأيتُ وإذا فى وسط العرش والحيوانات الأربعة وفى وسط الشيوخ خروف قائم كأنه مذبوح » ( رؤ ٥ : ٦ ) .
ـ وكانت القوات السماوية ترنم قائلة : « مستحق أنت أن تأخذ السفر وتفتح ختومه لأنك ذُبحت واشتريتنا لله بدمك » ( رؤ ٥ : ٩ ) .
ـ « وكل خليقة مما فى السماء وعلى الأرض وتحت الأرض وما على البحر كل ما فيها . سمعتها قائلة للجالس على العرش وللخروف : البركة والكرامة والمجد والسلطان إلى أبد الآبدين ... والشيوخ الأربعة والعشرون خروا وسجدوا للحى إلى أبد الآبدين » . ( رؤ ٥ : ١٣ ، ١٤ )
● ويتضح من هذا أيضاً أنه حينما رأى يوحنا الحبيب ـ كما ذكرنا ـ السيد المسيح فى وسط العرش مع الأربعة والعشرين قسيساً والأربعة أحياء غير المتجسدين ... رأى السيد المسيح خروفاً قائماً كأنه مذبوح ولكنه لم يبصر السيدة العذراء فى هذا المشهد ، هذا وقد رأى يوحنا رؤياه فى آخر القرن الأول الميلادى وكانت السيدة العذراء قد تنيحت منذ سنوات كثيرة ... فلماذا لم يبصر يوحنا العذراء هناك مع الخروف ، وكيف تكون قد جلست عن يمين المسيح وتغيب عن هذا المشهد السماوى ؟
● إن السيد المسيح لا يمكن أن يفارق المقدس السماوى وإلا كيف يتم الغفران ... إن الروح القدس لم يحل إلا بعد دخوله المقدس السماوى ، وفى هذا قال السيد المسيح : « خير لكم أن أنطلق لأنه إن لم أنطلق لن يأتيكم المعزى » ( يو ١٦ : ٧ ) .
● كيف يكون السيد المسيح هو باكورة الراقدين وكيف يقال : « ارفعوا أيها الملوك أبوابكم وارتفعى أيتها الأبواب الدهرية ليدخل ملك المجد . من هو هذا ملك المجد ؟ الرب العزيز القدير القاهر فى الحروب » (مز ٢٤ : ٧ ، ٨ ) ... إن هذه النبوة هى للسيد المسيح وحده الذى دخل بدم نفسه إلى الأقداس مرة واحدة . فهل العذراء مريم هى أيضاً الرب العزيز القدير ؟! حاشا طبعاً ...
● لقد دخل السيد المسيح إلى الموضع الذى لم يدخل إليه ذو طبيعة بشرية ، إذ نقول فى قسمة السبت الكبير : ( الموضع الذى لا يدخل إليه ذو طبيعة بشرية ) .
● هل العذراء مريم هى ستكون رئيس كهنة أيضاً إذ دخلت حالياً حيث المسيح يمارس عمله كرئيس كهنة ؟ وهل يقبل الكاثوليك كهنوت المرأة ؟
إن هذه البدعة الكاثوليكية هى استمرار لبدعة الحبل بلا دنس ، وتشارك مع بدعة شريكة الخلاص .
● ورداً على التساؤل بشأن قول المزمور : جلست الملكة عن يمين الملك ... فنرد ونقول : بأن الكثير من النبوات تذكر الأحداث بصيغة الماضى قبل حدوثها بوقت طويل مثل قول المزمور : « ثقبوا يدى ورجلى » ( مز ٢٢ : ١٦ ) . الذى قيل قبل صلب السيد المسيح بحوالى ألف سنة وجاءت النبوة بصيغة الماضى . وهذا منهج معروف فى كثير من النبوات ... وبهذا يكون زمن هذه النبوة عن جلوس السيدة العذراء عن يمين السيد المسيح فى ملكوته لم يتحقق بعد ، إذ سيتحقق بعد القيامة العامة فى الأبدية .
أين توجد روح العذراء مريم ؟
● إن العذراء بروحها موجودة فى الفردوس تشفع فينا ، ويرفع صلواتها أمام العرش الأربعة والعشرون قسيساً إذ يرفعون بخوراً الذى هو صلوات القديسين .
إن العذراء مريم كانت فى الفردوس ولا تزال ، ولم يقم جسدها من الموت بعد ، بل كما قلنا هو محفوظ فى مكان ما فى السماء إلى مجئ الرب ، وقد حملته الملائكة إلى هناك .
هذه العقيدة هى إقلال من شأن العذراء :
● وأخيراً نقول : إن ما يعتقده الكاثوليك عن قيامة جسد العذراء وصعودها إلى السماء العليا أى إلى ملكوت الله هو إقلال من شأن العذراء مريم . ففيما هم يريدون أن يكرموها يقللون من شأنها ... والسبب أن السيد المسيح سوف يأتى شخصياً لكى يأخذ قديسيه إلى الملكوت ، أما العذراء مريم فتكون قد أخذتها الملائكة إلى السموات العليا لأن المسيح قال : « فى بيت أبى منازل كثيرة وإلا فأنى كنت قد قلت لكم أنا أمضى لأعد لكم مكاناً وإن مضيت وأعددت لكم مكاناً آتى أيضاً وآخذكم إلىَّ حتى حيث أكون أنا تكونون أنتم أيضاً » ( يو ١٤ ٢ ، ٣ ) وهذا سوف يحدث فى مجيئه الثانى كما أوضحنا سابقاً . فإذا كان السيد المسيح سوف يأتى ليأخذ عروسه ( الكنيسة ) ، يأتى بجسده الذى صُلب لأجلنا وقام ، فكيف يرسل خدامه فقط لكى يأخذوا ملكة السمائيين والأرضيين ؟
نيافة الأنبا بيشوى
الهوامش
(١) بتصرف من محاضرة لنيافة الأنبا بيشوى بمعهد الدراسات القبطية ـ قسم اللاهوت الفرقة الثانية ـ بتاريخ ٩ / ١٢ / ٢٠٠٣ .
نيافة الأنبا بيشوى، مائة سؤال وجواب فى العقيدة المسيحية الأرثوذكسية، إعداد الإكليريكى الدكتور سامح حلمى إبراهيم، ط١ (دار نوبار للطباعة، ٢٠٠٤)، ٧٥–٧٩.




