SPSA Church Giving (opens in a new tab)

تفسير آيات كتابية · ٦٤

ما معنى الآية : « أنا مجدتك على الأرض » (يو ١٧ : ٤ ) ؟

Faith Q&A ‹ مائة سؤال وجواب فى العقيدة المسيحية الأرثوذكسية ‹ تفسير آيات كتابية

الجواب

● كيف مجد الابن المتجسد أباه السماوى فى تجسده وظهوره فى العالم ؟

عن هذا الأمر كتب القديس يوحنا فى إنجيله عن الكلمة الذى صار جسداً وحل بيننا : « رأينا مجده مجداً كما لوحيد من الآب مملوءاً نعمة وحقاً ... ومن ملئه نحن جميعاً أخذنا . ونعمة فوق نعمة . لأن الناموس بموسى أعطى وأما النعمة والحق فبيسوع المسيح صارا » ( يو ١ : ١٤ ، ١٦ ، ١٧ ) . إنها كلمات عجيبة قالها تلميذ الرب يوحنا الرسول : « رأينا مجده كما لوحيد من الآب » أى أن المجد الذى رآه التلاميذ هو ما يليق بابِن الله الوحيد .

● تُرى ماهو هذا المجد الذى عناه يوحنا ، التلميذ الذى كان يسوع يحبه ؟

هل يقصد رؤيته للسيد متجلياً على جبل طابور حينما صعد إلى الجبل ليصلى وأخذ معه بطرس ويعقوب ويوحنا « وتغيرت هيئته قدامهم ، وأضاء وجهه كالشمس وصارت ثيابه بيضاء كالنور » (مت ١٧ : ٢ ) . ذلك المنظر الذى قال عنه القديس بطرس الرسول : « كنا معاينين عظمته . لأنه أخذ من الله الآب كرامة ومجداً إذ أقبل عليه صوت كهذا من المجد الأسنى هذا هو ابنى الحبيب الذى أنا سررت به . ونحن سمعنا هذا الصوت مقبلاً من السماء إذ كنا معه فى الجبل المقدس » (٢ بط ١ : ١٦ ـ ١٨ ) . بلاشك هذه الرؤيا أو هذا المنظر قد ترك أثراً عميقاً فى أذهان الرسل الثلاثة حينما أبصروا شعاعاً من مجد الابن الوحيد .

● وقد كتب القديس بولس الرسول أن الله قد كلمنا فى ابنه ، وقال عن ابن الله أنه هو «بهاء مجده » (عب ١ : ٣ ) . باللغة الإنجليزية Brightness of His Glory (K . J . V) أى ( لمعان مجده ) بمعنى لمعان مجد الآب .

● ولكن المسألة فى الحقيقة لم تكن قاصرة على منظر التجلى البديع ، وذلك فى ذهن القديس يوحنا الإنجيلى حينما كتب : « ورأينا مجده مجداً كما لوحيد من الآب مملوءاً نعمة وحقاً » (يو ١ :١٤ ) . لأنه من الواضح أنه قد ربط رؤيته لهذا المجد هو وغيره بما رأوه فى المسيح من ملء النعمة والحق .

● إن الشيطان يستطيع أن يغير شكله إلى شبه ملاك نور ، ويمكنه أن يبهر الناس بمناظر وأفعال خارقة . ولهذا فإن السيد المسيح لم يظهر مجده فقط بمنظره النورانى على جبل التجلى ... بل ظهرت ملامح هذا المجد فى كل جوانب سيرته وحياته ، بما فى ذلك مجد محبته ومجد تواضعه ... وهكذا نستطيع أن نميّز بين المجد الزائف والمجد الحقيقى ، بين المجد الظاهرى والمجد الأصيل .

« فيه يحل كل ملء اللاهوت جسدياً » (كو ٢ : ٩ ) .

● كتب معلمنا بولس الرسول عن السيد المسيح : « فإن فيه يحل كل ملء اللاهوت جسدياً » (كو ٢ : ٩ ) .

● لقد اتحد أقنوم الكلمة ( اللوغوس ) بالطبيعة البشرية الكاملة التى أخذها من العذراء مريم منذ اللحظة الأولى للتجسد . وبهذا صارت الصفات الإلهية جميعها هى من خصائص الابن المتجسد الذى تجسد بطبيعة واحدة تجمع خصائص الطبيعتين دون أن تتلاشى واحدة منهما فى الأخرى . ولكن أمكن أن نرى كل صفات اللاهوت فى الابن المتجسد الواحد . لهذا قال السيد المسيح لتلاميذه : « الذى رآنى فقد رأى الآب » ( يو ١٤ : ٩ ) . وقال معلمنا بولس الرسول إن : « الله ظهر فى الجسد » ( ١تى ٣ : ١٦ ). لأن المسيح هو « صورة الله غير المنظور » (كو ١ : ١٥ ) . وهذا يشرح قول القديس يوحنا الإنجيلى : « رأينا مجده مجداً كما لوحيد من الآب مملوءاً نعمة وحقاً » .

● كان السيد المسيح « مملوءاً نعمة وحقاً » ، وفيه «يحل كل ملء اللاهوت جسدياً » . رأى التلاميذ فى السيد المسيح صلاح الله ، وبره ، وقداسته ، وخيريته ، وطول أناته ، ورحمته ، ومحبته ، وقوته ، وسعيه لخلاص الناس ، وما فيه من حق وعدل وحزم ورفض للشر . تلامسوا مع وداعته ورقته وصفحه وغفرانه العجيب للخطاة التائبين من كل قلوبهم ، وتلامسوا مع عنايته بالمرضى والمعذبين وسعيه لإراحتهم ، رأوه وهو يتحنن على الجموع ويشفق عليهم ويمنح الراحة للمتعبين ، ويشبع الجياع فى الأماكن القفرة فى البرية ، وتلامسوا مع طول أناته معهم ، واحتماله لضعفاتهم كمبتدئين حتى يأتى بهم إلى القوة ، واحتماله لجهلهم حتى يأتى بهم إلى المعرفة الحقة ، تلامسوا مع محبته إلى المنتهى وهو يبذل نفسه عنهم ويحتمل الآلام الرهيبة ليخلصهم من الهلاك الأبدى ، كانت الجلدات على ظهر السيد المسيح هى شفاء لأوجاع خطايانا وتلذذات الخطية التى أفسدت طبيعتنا البشرية .

● تلامسوا مع سمو تعاليمه ، واستمعوا إلى كلمات النعمة الخارجة من شفتيه ، والتى تؤثر فى السامعين بمنتهى القوة والعمق ... وكم كان يتكلم كمن له سلطان وليس كالكتبة .

● تلامسوا مع الحق الذى فيه ... وهو الذى قال عن نفسه : « أنا هو الطريق والحق والحياة » ( يو ١٤: ٦ ) . لم يظهر الحق ويعبَّر عنه بصورة واضحة بقدر ما كان معلناً فى السيد المسيح .

● تلامسوا مع قداسة الله فى شخص السيد المسيح ... الله القدوس الذى بلا خطية وحده ... وكان السيد المسيح هو الذى قال لليهود : « من منكم يبكتنى على خطية » ( يو ٨ : ٤٦ ) . طهارة كاملة .. نقاوة كاملة .. سمو كامل .. صفاء عجيب ..بساطة متناهية .. قوة فى رفض الشر والصمود فى وجه الطغيان .. تحرر من الأهواء والنزعات .

● أما عن انتصاره على الموت وعلى الشيطان ، فكان ذلك من أبرز علامات ألوهيته . وكتب معلمنا بولس الرسول فى ذلك : « وتعيّن ابن الله بقوة من جهة روح القداسة بالقيامة من الأموات » ( رو ١ : ٤ ) . وقال السيد المسيح عن انتصاره على الموت والجحيم : « متى رفعتم ابن الإنسان تفهمون إنى أنا هو » ( يو ٨ : ٢٨ ) . أى يصير مفهوماً أنه هو الإله المتجسّد . إن حلول ملء اللاهوت جسدياً فى السيد المسيح إى اتّحاد لاهوته بناسوته ، قد منع عن جسده الفساد فى القبر « لا تدع قدوسك يرى فساداً » ( مز ١٦ : ١٠ ) . وقد غلب كل قوة الجحيم فى روحه الإنسانى « محيياً فى الروح الذى فيه أيضاً ذهب فكرز للأرواح التى فى السجن » ( ١ بط ٣ : ١٨ ) ، « سبى سبياً وأعطى الناس كرامة » ( مز ٦٨ : ١٨ ) .

لقد سحق الرب بسلطان لاهوته كل قوة إبليس « إذ جرد السلاطين أشهرهم جهاراً ظافراً بهم فى الصليب » ( كو ٢ : ١٥ ) . حقاً هو « الرب العزيز القدير القاهر فى الحروب . هذا هو ملك المجد » ( مز ٢٤ : ٨ ) .

نيافة الأنبا بيشوى

نيافة الأنبا بيشوى، مائة سؤال وجواب فى العقيدة المسيحية الأرثوذكسية، إعداد الإكليريكى الدكتور سامح حلمى إبراهيم، ط١ (دار نوبار للطباعة، ٢٠٠٤)، ١٠٣–١٠٥.

الصفحات فى الكتاب (١٠٣، ١٠٤، ١٠٥)صفحة ١٠٣ من الكتابصفحة ١٠٤ من الكتابصفحة ١٠٥ من الكتاب

نيافة الأنبا بيشوى، مطران دمياط وكفر الشيخ والبرارى، مائة سؤال وجواب فى العقيدة المسيحية الأرثوذكسية. إعداد الإكليريكى الدكتور سامح حلمى إبراهيم. الطبعة الأولى أكتوبر ٢٠٠٤م ، دار نوبار للطباعة.