الجواب
● كيف مجد الابن المتجسد أباه السماوى فى تجسده وظهوره فى العالم ؟
عن هذا الأمر كتب القديس يوحنا فى إنجيله عن الكلمة الذى صار جسداً وحل بيننا : « رأينا مجده مجداً كما لوحيد من الآب مملوءاً نعمة وحقاً ... ومن ملئه نحن جميعاً أخذنا . ونعمة فوق نعمة . لأن الناموس بموسى أعطى وأما النعمة والحق فبيسوع المسيح صارا » ( يو ١ : ١٤ ، ١٦ ، ١٧ ) . إنها كلمات عجيبة قالها تلميذ الرب يوحنا الرسول : « رأينا مجده كما لوحيد من الآب » أى أن المجد الذى رآه التلاميذ هو ما يليق بابِن الله الوحيد .
● تُرى ماهو هذا المجد الذى عناه يوحنا ، التلميذ الذى كان يسوع يحبه ؟
هل يقصد رؤيته للسيد متجلياً على جبل طابور حينما صعد إلى الجبل ليصلى وأخذ معه بطرس ويعقوب ويوحنا « وتغيرت هيئته قدامهم ، وأضاء وجهه كالشمس وصارت ثيابه بيضاء كالنور » (مت ١٧ : ٢ ) . ذلك المنظر الذى قال عنه القديس بطرس الرسول : « كنا معاينين عظمته . لأنه أخذ من الله الآب كرامة ومجداً إذ أقبل عليه صوت كهذا من المجد الأسنى هذا هو ابنى الحبيب الذى أنا سررت به . ونحن سمعنا هذا الصوت مقبلاً من السماء إذ كنا معه فى الجبل المقدس » (٢ بط ١ : ١٦ ـ ١٨ ) . بلاشك هذه الرؤيا أو هذا المنظر قد ترك أثراً عميقاً فى أذهان الرسل الثلاثة حينما أبصروا شعاعاً من مجد الابن الوحيد .
● وقد كتب القديس بولس الرسول أن الله قد كلمنا فى ابنه ، وقال عن ابن الله أنه هو «بهاء مجده » (عب ١ : ٣ ) . باللغة الإنجليزية Brightness of His Glory (K . J . V) أى ( لمعان مجده ) بمعنى لمعان مجد الآب .
● ولكن المسألة فى الحقيقة لم تكن قاصرة على منظر التجلى البديع ، وذلك فى ذهن القديس يوحنا الإنجيلى حينما كتب : « ورأينا مجده مجداً كما لوحيد من الآب مملوءاً نعمة وحقاً » (يو ١ :١٤ ) . لأنه من الواضح أنه قد ربط رؤيته لهذا المجد هو وغيره بما رأوه فى المسيح من ملء النعمة والحق .
● إن الشيطان يستطيع أن يغير شكله إلى شبه ملاك نور ، ويمكنه أن يبهر الناس بمناظر وأفعال خارقة . ولهذا فإن السيد المسيح لم يظهر مجده فقط بمنظره النورانى على جبل التجلى ... بل ظهرت ملامح هذا المجد فى كل جوانب سيرته وحياته ، بما فى ذلك مجد محبته ومجد تواضعه ... وهكذا نستطيع أن نميّز بين المجد الزائف والمجد الحقيقى ، بين المجد الظاهرى والمجد الأصيل .
« فيه يحل كل ملء اللاهوت جسدياً » (كو ٢ : ٩ ) .
● كتب معلمنا بولس الرسول عن السيد المسيح : « فإن فيه يحل كل ملء اللاهوت جسدياً » (كو ٢ : ٩ ) .
● لقد اتحد أقنوم الكلمة ( اللوغوس ) بالطبيعة البشرية الكاملة التى أخذها من العذراء مريم منذ اللحظة الأولى للتجسد . وبهذا صارت الصفات الإلهية جميعها هى من خصائص الابن المتجسد الذى تجسد بطبيعة واحدة تجمع خصائص الطبيعتين دون أن تتلاشى واحدة منهما فى الأخرى . ولكن أمكن أن نرى كل صفات اللاهوت فى الابن المتجسد الواحد . لهذا قال السيد المسيح لتلاميذه : « الذى رآنى فقد رأى الآب » ( يو ١٤ : ٩ ) . وقال معلمنا بولس الرسول إن : « الله ظهر فى الجسد » ( ١تى ٣ : ١٦ ). لأن المسيح هو « صورة الله غير المنظور » (كو ١ : ١٥ ) . وهذا يشرح قول القديس يوحنا الإنجيلى : « رأينا مجده مجداً كما لوحيد من الآب مملوءاً نعمة وحقاً » .
● كان السيد المسيح « مملوءاً نعمة وحقاً » ، وفيه «يحل كل ملء اللاهوت جسدياً » . رأى التلاميذ فى السيد المسيح صلاح الله ، وبره ، وقداسته ، وخيريته ، وطول أناته ، ورحمته ، ومحبته ، وقوته ، وسعيه لخلاص الناس ، وما فيه من حق وعدل وحزم ورفض للشر . تلامسوا مع وداعته ورقته وصفحه وغفرانه العجيب للخطاة التائبين من كل قلوبهم ، وتلامسوا مع عنايته بالمرضى والمعذبين وسعيه لإراحتهم ، رأوه وهو يتحنن على الجموع ويشفق عليهم ويمنح الراحة للمتعبين ، ويشبع الجياع فى الأماكن القفرة فى البرية ، وتلامسوا مع طول أناته معهم ، واحتماله لضعفاتهم كمبتدئين حتى يأتى بهم إلى القوة ، واحتماله لجهلهم حتى يأتى بهم إلى المعرفة الحقة ، تلامسوا مع محبته إلى المنتهى وهو يبذل نفسه عنهم ويحتمل الآلام الرهيبة ليخلصهم من الهلاك الأبدى ، كانت الجلدات على ظهر السيد المسيح هى شفاء لأوجاع خطايانا وتلذذات الخطية التى أفسدت طبيعتنا البشرية .
● تلامسوا مع سمو تعاليمه ، واستمعوا إلى كلمات النعمة الخارجة من شفتيه ، والتى تؤثر فى السامعين بمنتهى القوة والعمق ... وكم كان يتكلم كمن له سلطان وليس كالكتبة .
● تلامسوا مع الحق الذى فيه ... وهو الذى قال عن نفسه : « أنا هو الطريق والحق والحياة » ( يو ١٤: ٦ ) . لم يظهر الحق ويعبَّر عنه بصورة واضحة بقدر ما كان معلناً فى السيد المسيح .
● تلامسوا مع قداسة الله فى شخص السيد المسيح ... الله القدوس الذى بلا خطية وحده ... وكان السيد المسيح هو الذى قال لليهود : « من منكم يبكتنى على خطية » ( يو ٨ : ٤٦ ) . طهارة كاملة .. نقاوة كاملة .. سمو كامل .. صفاء عجيب ..بساطة متناهية .. قوة فى رفض الشر والصمود فى وجه الطغيان .. تحرر من الأهواء والنزعات .
● أما عن انتصاره على الموت وعلى الشيطان ، فكان ذلك من أبرز علامات ألوهيته . وكتب معلمنا بولس الرسول فى ذلك : « وتعيّن ابن الله بقوة من جهة روح القداسة بالقيامة من الأموات » ( رو ١ : ٤ ) . وقال السيد المسيح عن انتصاره على الموت والجحيم : « متى رفعتم ابن الإنسان تفهمون إنى أنا هو » ( يو ٨ : ٢٨ ) . أى يصير مفهوماً أنه هو الإله المتجسّد . إن حلول ملء اللاهوت جسدياً فى السيد المسيح إى اتّحاد لاهوته بناسوته ، قد منع عن جسده الفساد فى القبر « لا تدع قدوسك يرى فساداً » ( مز ١٦ : ١٠ ) . وقد غلب كل قوة الجحيم فى روحه الإنسانى « محيياً فى الروح الذى فيه أيضاً ذهب فكرز للأرواح التى فى السجن » ( ١ بط ٣ : ١٨ ) ، « سبى سبياً وأعطى الناس كرامة » ( مز ٦٨ : ١٨ ) .
لقد سحق الرب بسلطان لاهوته كل قوة إبليس « إذ جرد السلاطين أشهرهم جهاراً ظافراً بهم فى الصليب » ( كو ٢ : ١٥ ) . حقاً هو « الرب العزيز القدير القاهر فى الحروب . هذا هو ملك المجد » ( مز ٢٤ : ٨ ) .
نيافة الأنبا بيشوى
نيافة الأنبا بيشوى، مائة سؤال وجواب فى العقيدة المسيحية الأرثوذكسية، إعداد الإكليريكى الدكتور سامح حلمى إبراهيم، ط١ (دار نوبار للطباعة، ٢٠٠٤)، ١٠٣–١٠٥.


