الجواب
● ذبيحة الصليب هى واحدة لا تتكرر ، لكنها تمتد . لم تمتد ذبيحة الصليب بعدها فقط ، بل امتدت قبلها أيضاً ، بدليل أن السيد المسيح قدم جسده ودمه فى ليلة آلامه بنفسه قبل صلبه . فذبيحة الإفخارستيا ( سر الشكر ) من الممكن أن تمتد عبر الزمان لأن هذا سر فائق وسر إلهى فوق الزمان والمكان نقول عنه فى القداس الإلهى : ( ووضع لنا هذا السر العظيم الذى للتقوى ) « عظيم هو سر التقوى » ( ١ تى ٣ : ١٦ ) .
● ويقول القديس يوحنا ذهبى الفم (٣٤٧ ـ ٤٠٧ م ) : ( ألسنا نحن نقدم كل يوم قرابين ؟ نعم نقدم ، ولكننا نصنع تذكار موته . وهذه الذبيحة التى نقدمها كل يوم هى واحدة لا أكثر لأنه قُدّم مرة واحدة . لأننا دائماً نقدم حملاً واحداً بعينه ، ولا نقدم الآن خروفاً وغداً خروفاً آخر ، بل الحمل نفسه دائماً . فالذبيحة إذن هى واحدة . أو هل المسحاء كثيرون ، لأن الذبيحة تُقدم فى محلات كثيرة ؟ حاشا ، لأن المسيح واحد فى كل مكان وهو هنا بكليته جسد واحد . وكما أنه يُقدم فى أماكن متعددة ولا يزال جسداً واحداً لا أجساداً كثيرة هكذا الذبيحة هى أيضاً واحدة ) .1
● عندما نقدم قرباناً فى كنيسة فى القاهرة وقرباناً فى كنيسة فى الإسكندرية مثلاً ، ونعمل قداساً هنا وقداساً هناك ، فهذا ليس معناه أن هذه ذبيحة وتلك ذبيحة أخرى ، أو أن هذا حمل وذاك حمل آخر ، بل إنه حملٌ واحد ومسيحٌ واحد الذى هو « حمل الله الذى يرفع خطية العالم » ( يو ١ : ٢٩ ) .
● لقد تكلَّم المزمور عن ذبيحة العهد القديم : « أدخل إلى بيتك بمحرقات أوفيك نذورى » . ( مز ٦٦ : ١٣ ) فهو هنا يتكلم عن الذبائح والمحرقات بصيغة الجمع ، ولكن عندما تنبأ إشعياء النبى عن ذبيحة العهد الجديد فى مصر كان دقيقاً جداً فى تعبيره إذ ذكر أنها ذبيحة بصيغة المفرد : « فى ذلك اليوم يكون مذبح للرب فى وسط أرض مصر وعمود للرب عند تخمها . فيكون علامة وشهادة لرب الجنود فى أرض مصر ... فيُعرف الرب فى مصر ويعرف المصريون الرب فى ذلك اليوم ، ويقدمون ذبيحة وتقدمة ، وينذرون للرب نذراً ويوفون به » ( إش ١٩ : ١٩ ـ ٢١ ) .
ـ المقصود بعبارة ( وسط أرض مصر ) أى ( دير العذراء الشهير بالمحرق فى أسيوط ) حيث يقع وسط أرض مصر وحيث الحجر الذى جلس عليه الرب يسوع وصار مذبحاً للرب ، والمقصود بعبارة ( عمود للرب عند تخمها ) هو كرسى مارمرقس على حدود مصر ، التخوم الشمالية بالإسكندرية .
ومن العجيب أنه يتكلم عن شعب مصر كله ويقول إنهم سوف يقدمون ذبيحة واحدة ، ومن المنطق عندما يتكلم عن ملايين الناس يقول إنهم يقدمون ذبائح ، وليس ذبيحة واحدة ... والذى يؤكد هنا أنه يتكلم بصيغة الجمع هو قوله : « يعرف المصريون الرب » وقوله أيضاً : « فى ذلك اليوم يكون فى أرض مصر خمس مدن تتكلم بلغة كنعان وتحلف لرب الجنود يقال لإحداها مدينة الشمس » ( إش ١٩ : ١٨ ) . مدينة الشمس التى هى (هليوبوليس) ، فهو يتكلم هنا عن العهد الجديد ، لأنه لم يكن مصرحاً فى العهد القديم أن يكون هناك مذبح للرب خارجاً عن المذبح الذى أقامه موسى فى خيمة الاجتماع ، ثم استقر بعد ذلك فى أورشليم فى هيكل سليمان فى المكان الذى اختاره الرب لداود النبى فى بيدر أرنان اليبوسى ( انظر ١ أخ ٢١ : ١٨ ) .
● ولذلك حتى الآن لا يستطيع اليهود التابعون لشريعة العهد القديم تقديم أية ذبائح ، لأن الهيكل قد هُدم وزال ، والمذبح أيضاً زال ... والهيكل لم يُترك فيه حجر على حجر لم ينقض ... فلا يمكنهم أن يقدموا أى ذبيحة للرب ... ولو فهم اليهود نبوة إشعياء عن إقامة مذبح للرب فى وسط أرض مصر ، لعرفوا أن العبادة لم تصبح قاصرة على هيكل اليهود ( هيكل سليمان ) لكنها سوف تنتشر وتكون متاحة فى كل مكان .
● ونرى هذا فى حديث السيد المسيح مع المرأة السامرية عندما سألته قائلة : « آباؤنا سجدوا فى هذا الجبل وأنتم تقولون إن فى أورشليم الموضع الذى ينبغى أن يسجد فيه !! » ( يو ٤ : ٢٠ ) ، قال لها يسوع : « يا امرأة صدقينى إنه تأتى ساعة لا فى هذا الجبل ولا فى أورشليم تسجدون للآب . أنتم تسجدون لما لستم تعلمون . أما نحن فنسجد لما نعلم . لأن الخلاص هو من اليهود . ولكن تأتى ساعة وهى الآن حين الساجدون الحقيقيون يسجدون للآب بالروح والحق . لأن الآب طالب مثل هؤلاء الساجدين له » ( يو ٤ : ٢١ ـ ٢٣ ) . فأصبحت العبادة تُقدم فى أى مكان فى العالم ، ما دامت تُقدم باسم السيد المسيح ، وتُقدم ذبيحة الخلاص ـ الإفخارستيا ـ التى نتحدث عنها الآن .
إذاً الذبيحة التى على المذابح الأرثوذكسية هى ذبيحة واحدة ، وهى امتداد لذبيحة الصليب الإلهية الفائقة للزمان والمكان .
نيافة الأنبا بيشوى
الهوامش
من عظات للقديس يوحنا ذهبى الفم على العبرانيين ، مقالة ١٧ .
نيافة الأنبا بيشوى، مائة سؤال وجواب فى العقيدة المسيحية الأرثوذكسية، إعداد الإكليريكى الدكتور سامح حلمى إبراهيم، ط١ (دار نوبار للطباعة، ٢٠٠٤)، ١٣٢–١٣٤.


