الجواب
● لأن السيد المسيح فى هذا اليوم صنع عهداً مع كنيسته بتأسيس سر الإفخارستيا العظيم . وكما نعلم جميعاً أن السيد المسيح قال : « هذه الكأس هى العهد الجديد بدمى » . ( لو ٢٢ : ٢٠ ) و ( ١ كو ١١ : ٢٥ ) وهذا هو الفرق بين العهد الجديد الذى هو بدم السيد المسيح ، والعهد القديم الذى كان بدم حيوانات .
الذبيحة فى العهد القديم :
● عندما صنع موسى النبى العهد بين الله والشعب ، أخذ دماً من الذبيحة ورشّه على الشعب وقال : « هذا هو دم العهد » . رشه على المذبح وعلى تابوت العهد وعلى محتويات خيمة الاجتماع ، كما رشه أيضاً على هارون وبنيه ... كان عهداً بواسطة دماء حيوانية .
جاء فى سفر الخروج : « فأخذ موسى نصف الدم ووضعه فى الطسوس ، ونصف الدم رشه على المذبح . وأخذ كتاب العهد وقرأ فى مسامع الشعب فقالوا : كل ما تكلم به الرب نفعل ونسمع له . وأخذ موسى الدم ورش على الشعب وقال : هوذا دم العهد الذى قطعه الرب معكم على جميع هذه الأقوال » ( خر ٢٤ : ٦ ـ ٨ ) .
● كتاب العهد قد يكون هو الأسفار التى كتبها موسى النبى حتى ذلك الوقت الذى حدثت فيه تلك الواقعة ، أى سفر التكوين وجزء من سفر الخروج . أو من الممكن أن يكون المقصود به الوصايا العشر المذكورة فى سفر الخروج .
فالعهد القديم هو عهد بين الله وشعبه ، ويتضمن وصايا من أهمها الوصايا العشر . وقد أعطاها الله لشعبه وهم تعهدوا أن يسمعوا ويطيعوا .
● لكى تكون العلاقة بين الله وشعبه موثقة ، فقد وثقت بواسطة دم الذبيحة ... أخذ موسى النبى نصف الدم ورشه على المذبح ، ونصف الدم الآخر رشه على الشعب وقال : « هوذا دم العهد الذى قطعه الرب معكم على جميع هذه الأقوال » ( خر ٢٤ : ٨ ) .
الذبيحة فى العهد الجديد :
● عندما نتحدث عن العهد الجديد نجد أن الذى حدث بواسطة موسى النبى كان مجرد رمز للعهد الجديد ، فبدلاً من دم الحيوانات التى كانت تُقدم فى العهد القديم مثلما قيل : « فأصعدوا محرقات وذبحوا ذبائح سلامة للرب من الثيران » ( خر ٢٤ : ٥ ) ، أصبح العهد الجديد هو بدم المسيح . وكلنا كمسيحيين نؤمن أن دم المسيح هو العهد الجديد الذى بين الله وشعبه المفديين المخلصين الذين آمنوا بصلب السيد المسيح وقيامته .
لابد أن نفهم أن دم العهد يتضمن التزاماً بتنفيذ وصايا الله لأن السيد المسيح قال : « إن كنتم تحبوننى فاحفظوا وصاياى ... الذى عنده وصاياى ويحفظها فهو الذى يحبنى » ( يو ١٤ : ١٥ ، ٢١ ) . لذلك فإن دم العهد يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالالتزام بتنفيذ وصايا السيد المسيح .
● لقد سلَّم السيد المسيح بنفسه دم العهد الجديد لتلاميذه فى ليلة آلامه . نفس الدم الذى سُفك على الصليب ، هو نفسه الذى سلَّمه السيد المسيح لتلاميذه يوم خميس العهد ، لذلك يُسمى ( خميس العهد ) لأن هذا هو العهد الذى بين الله وشعبه .
● لذلك يقول معلمنا بولس الرسول : « لأننى تسلمت من الرب ما سلمتكم أيضاً أن الرب يسوع فى الليلة التى أسلم فيها ( للآلام والصلب ) أخذ خبزاً وشكر فكسر وقال : خذوا كلوا هذا هو جسدى المكسور لأجلكم اصنعوا هذا لذكرى . كذلك الكأس أيضاً بعدما تعشوا قائلاً : هذه الكأس هى العهد الجديد بدمى اصنعوا هذا كلما شربتم لذكرى . فإنكم كلما أكلتم هذا الخبز وشربتم هذه الكأس تخبرون بموت الرب إلى أن يجئ » ( ١ كو ١١ : ٢٣ ـ ٢٦ ) . من الملاحظ فى هذا النص أن السيد المسيح لم يتكلم عن الدم فقط ، لكنه ربط الدم بالكأس ، وهذا نفس ما ورد فى إنجيل معلمنا لوقا « هذه الكأس هى العهد الجديد بدمى الذى يسفك عنكم » ( لو ٢٢ : ٢٠ ) . لم يقل هذا الدم هو العهد الجديد ، لكن قال : « هذه الكأس » ... بالطبع لا يقصد الكأس الفارغة ، بل الكأس التى بها دمه .
● ولئلا يظن أحد كما يدّعى البروتستانت أن العهد الجديد هو دم المسيح الذى سُفك محدوداً بيوم الصليب فقط ، ولا داعى للدم الذى يقول عنه الأرثوذكس فى القداس ، نقول رداً على هذا : لم يقل السيد المسيح : « هذا الدم هو العهد الجديد » بل قال : « هذه الكأس هى العهد الجديد »وبذلك ربط العهد الجديد بكأس التقديس ... لكن ليس الكأس الفارغة وحدها بل « هذه الكأس هى العهد الجديد بدمى » فالأساس هو دم السيد المسيح الذى فى الكأس والذى هو نفسه المسفوك يوم الجمعة الكبيرة على الصليب .
● فإذا كان العهد الجديد مرتبط بكأس الإفخارستيا ( سر الشكر ) فكيف يكون الكأس رمزاً فقط وليس تذكاراً حقيقياً ؟! ... إن أى كنيسة لا يوجد فيها دم حقيقى فى كأس الإفخارستيا ، لا يكون فيها عهد الرب الجديد بوضع حقيقى .
عهد الخلاص والحياة الأبدية :
● لقد أعطانا السيد المسيح سر الإفخارستيا باعتبار أنه العهد الذى بيننا وبينه وقال : « هذه الكأس هى العهد الجديد بدمى » ( لو ٢٢ : ٢٠ ) . كمن يكتب وثيقة بالدم فتعنى عهداً لا يُنقَض ، خاصةً إذا كان هذا دماً إلهياً ، دماً قادراً أن يقهر كل سلطان إبليس ، دماً قادراً أن يطهر من كل خطيئة ، دماً قادراً أن يعطى الحياة .
● لذلك نتكلم عن الجسد المحيى فى القداس أن هذا هو الجسد المحيى ، الجسد المانح للحياة لأنه متحد باللاهوت مصدر الحياة للخليقة ... فقد قال السيد المسيح :
ـ « أنا هو القيامة والحياة من آمن بى ولو مات فسيحيا » ( يو ١١ : ٢٥ ) .
ـ « فمن يأكلنى فهو يحيا بى » ( يو ٦ : ٥٧ ) .
ـ « من يأكل جسدى ويشرب دمى فله حياة أبدية وأنا أقيمه فى اليوم الأخير » ( يو ٦ : ٥٤ ) .
ـ « من يأكل جسدى ويشرب دمى يثبت فىّ وأنا فيه » ( يو ٦ : ٥٦ ) .
فالتناول من جسد الرب ودمه هو اتحاد بالحياة الأبدية ... فليأكل ويشرب المتناول من الذبيحة المحيية بعد استعداد لائق ... بعد توبة واعتراف ، فيتحد بالحياة الأبدية ... وبذلك يؤهل ويستحق نعمة القيامة فى اليوم الأخير ، ويستحق جسد القيامة .
نيافة الأنبا بيشوى
نيافة الأنبا بيشوى، مائة سؤال وجواب فى العقيدة المسيحية الأرثوذكسية، إعداد الإكليريكى الدكتور سامح حلمى إبراهيم، ط١ (دار نوبار للطباعة، ٢٠٠٤)، ١٣٠–١٣٢.


