الجواب
● حينما نتكلم عن الإرادة ينبغى التمييز بين الرغبة واتخاذ القرار . فالإرادة الطبيعية تعنى الرغبة ، والإرادة الشخصية تعنى القرار . وهكذا يمكننا أن نفسر قول السيد المسيح فى ترجمة الأصل اليونانى : « ليس كما أرغب أنا بل كما تريد أنت وأنا » (مت ٢٦ : ٣٩ ) . أى ليس كما أرغب أنا بحسب رغباتى الطبيعية الإنسانية ، بل كما تريد أنت وأنا بحسب الرغبة الشخصية الإلهية وبحسب التدبير الإلهى . وهذا هو قرارنا فى إتمام الفداء أنا وأنت والروح القدس ، وهو أيضاً قرارى الشخصى أن يتم الفداء على الصليب . لهذا قال معلمنا بولس الرسول عن إتمام السيد المسيح للفداء : « من أجل السرور الموضوع أمامه احتمل الصليب مستهيناً بالخزى » (عب ١٢ : ٢ ) . كيف يقول ذلك وهو الذى قال للآب : « إن أمكن فلتعبر عنى هذه الكأس » (مت ٢٦ : ٣٩ ) . هذا هو الفرق بين الرغبات الطبيعية وبين الإرادة الشخصية . بإرادته الشخصية قرر أن يصنع الفداء ، أما فيما يخص الرغبة الطبيعية الإنسانية فإنه بلا شك لم يكن يرغب فى الإهانة وخيانة يهوذا وغيرها حتى أنه قال : « نفسى حزينه جداً حتى الموت » ( مت ٢٦ : ٣٨ ) . « أما الرب فسُر بأن يسحقه بالحزن » ( إش ٥٣ : ١٠ ) .
● ليس كما أرغب أنا بل كما تريد أنت وأنا ، بمعنى ليس كما أرغب بحسب إنسانيتى بل كما نريد معاً بحسب التدبير الثالوثى للخلاص ... ليس معنى هذا أن للسيد المسيح إرادتين ، لأن المقصود هنا ليس الإرادة الشخصية ، لكن المقصود هو نداء الطبيعة فقط ( Natural Will )كما قيل : « جاع أخيراً » (مت ٤ : ٢ ) . هل حينما جاع أخيراً صيَّر الحجارة خبزاً وأكل ؟ لا ... إذاً نداء الطبيعة هو الرغبة فى الأكل لكنه استمر فى الصوم بإرادته .
● لذلك حينما نقول فى القداس الغريغورى : ( باركت طبيعتى فيك ، أكملت ناموسك عنى ) يكون المقصود هو أنه طوّع بشريتنا ـ أى طبيعتنا البشرية الخاصة به فى شخصه المبارك ـ لمشيئة الآب السماوى . فإذا كان آدم قد عصى الله حتى الموت فإن المسيح قد أطاع الآب حتى الموت حسب ناسوته ، ومحا العار . وهذا هو ملخص قضية الفداء : كان لابد أن يأتى آدم الثانى ليقدم طاعة كاملة للآب السماوى . إن الابن أعطى شخصه الحر لطبيعتنا البشرية التى اتخذها من العذراء فصار هناك كائن اسمه آدم الثانى يملك حرية الإرادة ويملك طبيعتنا ولكنه فى نفس الوقت بلا خطية ، فحينما قدم طاعة طبيعتنا من خلال شخصه دخلت طبيعتنا فى حيّز الرضا الكامل لله .
نيافة الأنبا بيشوى
نيافة الأنبا بيشوى، مائة سؤال وجواب فى العقيدة المسيحية الأرثوذكسية، إعداد الإكليريكى الدكتور سامح حلمى إبراهيم، ط١ (دار نوبار للطباعة، ٢٠٠٤)، ١١٥–١١٦.

