الجواب
● بقدر ما أتعبت هذه الكلمات أريوس الهرطوقى ، بقدر ماهى مفرحة لقلوب الودعاء والمتضعين . قالها السيد المسيح فى بساطة واتضاع ، عن حال كونه قد أخذ صورة عبد بالتجسد « إذ وُجد فى الهيئة كإنسان وضع ذاته ... » ( انظر فى ٢ : ٨ ) .
فالسيد المسيح هو المثل الأعلى فى الاتضاع . وبالرغم من كونه هو أقنوم الابن الأزلى ، المساوى لأبيه فى كل صفات الجوهر الإلهى ، والأزلى مع الآب ، إلا أنه أخلى ذاته وأطاع حتى الموت ... لهذا قدم معلمنا بولس الرسول ما عمله السيد المسيح كمثال للاتضاع ، إذ قال : « فليكن فيكم هذا الفكر الذى فى المسيح يسوع أيضاً . الذى إذ كان فى صورة الله لم يحسب خلسة أن يكون معادلاً لله ( الترجمة الدقيقة : لم يحسب مساواته لله اختلاساً ) . لكنه أخلى نفسه آخذاً صورة عبد صائراً فى شبه الناس . وإذ وُجد فى الهيئة كإنسان ، وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب » ( فى ٢ : ٥ ـ ٨ ) .
إخلاء الذات
● بهذه العبارات شرح معلمنا بولس الرسول حقيقة التجسد الإلهى فالابن الوحيد الأزلى إذ كان «صورة الله أخذ صورة عبد » هو لم يتغير عن طبيعته الإلهية ، ولكنه أخلى نفسه بمعنى أنه تخلى عن أن يكون مجده الإلهى منظوراً على الأرض ، حينما احتجب مجد اللاهوت فى الجسد ... إذ أخذ صورة عبد ووُجد فى الهيئة كإنسان .
● لهذا قال السيد المسيح ـ حال كونه فى الجسد على الأرض ـ إن الآب أعظم منه بمعنى أنه إذ أخلى نفسه فإن صورة العبد هى المنظورة ... وبصعوده إلى السماء فسوف يدخل إلى مجده أى إلى صورة الله التى أخلى نفسه منها مرحلياً أو وقتياً فى نظر من رآه فى حال تجسده على الأرض . وبهذا يدخل بجسد القيامة إلى حالة المجد التى تخص صورة الله . لهذا قال لتلاميذه : « لوكنتم تحبوننى لكنتم تفرحون لأنى قلت أمضى إلى الآب . لأن أبى أعظم منى » (يو ١٤ : ٢٨ ) . بمعنى أنهم ينبغى أن يفرحوا بصعوده إلى السماء جسدياً حيث مجده الإلهى الأول الذى أخلى نفسه منه ، إذ أخذ صورة عبد لكى يضع نفسه حتى الموت ويفتدى البشرية . ويؤكّد ذلك كله ماقاله السيد المسيح فى مناجاته مع الآب قبيل الصليب : « أنا مجدتك على الأرض . العمل الذى أعطيتنى لأعمل قد أكملته . والآن مجدنى أنت أيها الآب عند ذاتك . بالمجد الذى كان لى عندك قبل كون العالم » (يو ١٧ : ٤ ، ٥ ) .
● أى أن رسالة السيد المسيح على الأرض كانت هى تمجيد الآب السماوى وكان الابن قد أخلى نفسه ليتمم الفداء ، وبعد إتمام الفداء على الأرض يصير صعوده إلى السماء هو الوسيلة التى يعلن بها الآب دخول السيد المسيح إلى مجده ، حيث يظهر مع الآب فى الأقداس السماوية لأجلنا ... ويكون بهذا قد دخل إلى مجده الذى كان له قبل كون العالم ، والذى لم يفقده بالتجسد بل أخفاه عن الناظرين إليه على الأرض ليتمم الفداء .
وقد عبَّر القديس بولس الرسول عن هذه الحقيقة بقوله : « وبالإجماع عظيم هو سر التقوى الله ظهر فى الجسد . تبرر فى الروح . تراءى لملائكة . كُرِز به بين الأمم . أومن به فى العالم . رفع فى المجد » ( اتى ٣ : ١٦ ) . فالله الظاهر فى الجسد ، هو السيد المسيح الذى أخلى ذاته آخذاً صورة عبد . وهو نفسه رُفع فى المجد لأنه : « كان ينبغى أن المسيح يتألم بهذا ويدخل إلى مجده » ( لو ٢٤ : ٢٦ ) .
● وبهذا يتضح أن قول السيد المسيح « أبى أعظم منى » يخص وجوده فى دائرة الإخلاء على الأرض . أما بعد دخوله إلى مجده السماوى الأبدى فلا مجال لهذا القول ، إذ هو مساوٍ لأبيه فى مجده الإلهى الأزلى والأبدى ... ( انظر أيضاً ص ٨٧ ) .
نيافة الأنبا بيشوى
نيافة الأنبا بيشوى، مائة سؤال وجواب فى العقيدة المسيحية الأرثوذكسية، إعداد الإكليريكى الدكتور سامح حلمى إبراهيم، ط١ (دار نوبار للطباعة، ٢٠٠٤)، ١١٦–١١٧.

