الجواب
● هذه الآية جاءت فى حديث السيد المسيح مع الشاب الغنى « وإذا واحد تقدم وقال له : أيها المعلم الصالح أى صلاح أعمل لتكون لى الحياة الأبدية ؟ فقال له : لماذا تدعونى صالحاً ؟ ! ليس أحد صالحاً إلا واحد وهو الله . ولكن إن أردت أن تدخل الحياة فاحفظ الوصايا ... قال له الشاب : هذه كلها حفظتها منذ حداثتى فماذا يعوزنى بعد ؟ قال له يسوع : إن أردت أن تكون كاملاً فاذهب وبع أملاكك وأعط الفقراء فيكون لك كنز فى السماء وتعال اتبعنى . فلما سمع الشاب الكلمة مضى حزيناً لأنه كان ذا أموال كثيرة » . (مت ١٩ : ١٦ ـ ٢٢ )
● ونلاحظ هنا أن السيد المسيح لم يقل له : « لاتدعونى صالحاً » ، إنما قال له : « لماذا تدعونى صالحاً ؟! » وكلمة لماذا لاتعنى النفى ، ولكن تعنى الاستفسار ، كما تعنى التعليم لهذا الشاب الذى يخاطبه لكى لا يقول هذه العبارة كما يكلّم أى معلم من معلمى اليهود ، مثل الكتبة والفريسيين ورؤساء الكهنة ، بل المفروض أن يختص بها واحد وهو الله ، وأن يعرف مقدار من يكلّمه .
● والدليل على أن السيد المسيح لا يرفض أن يُلقب بلقب الصالح أنه قال عن نفسه : « أناهو الراعى الصالح والراعى الصالح يبذل نفسه عن الخراف » (يو ١٠ : ١١ ) . فمن يستطيع القول أن السيد المسيح ينفى عن نفسه الصلاح !!! وقد قال لليهود من قبل : « من منكم يبكتنى على خطية فإن كنت أقول الحق فلماذا لستم تؤمنون بى » ( يو ٨ : ٤٦ ) .
● وفى الدينونة الأبدية سيقول للعبيد الذين صنعوا مشيئة الله وحفظوا وصاياه : « نعماً أيها العبد الصالح والأمين . كنت أميناً فى القليل فأقيمك على الكثير ادخل إلى فرح سيدك » (مت ٢٥ : ٢١ ) .
● لم يوجد فى ذلك الوقت أحد على الأرض كان من الممكن أن يلقب بالصالح إلا السيد المسيح فقط ، لأن الكتاب يقول : « الجميع زاغوا وفسدوا معاً ليس من يعمل صلاحاً ليس ولا واحد » ( رو ٣ : ١٢) .
● فمن المعروف أن السيد المسيح هو الوحيد الذى بلا خطية كما قال بولس الرسول : « من ثم كان ينبغى أن يشبه إخوته فى كل شئ ( بلا خطية ) » ( عب ٢ : ١٧ ) . وفى رسالته إلى أهل رومية «وأما الآن فقد ظهر بر الله بدون الناموس مشهوداً له من الناموس والأنبياء . بر الله بالإيمان بيسوع المسيح إلى كل وعلى كل الذين يؤمنون » . ( رو ٣ : ٢١ ، ٢٢ )
● وقال القديس بولس عن آدم : « كأنما بإنسان واحد دخلت الخطية إلى العالم وبالخطية الموت . وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس إذ أخطأ الجميع » (رو ٥ : ١٢ ) . وقال أيضاً : « لأنه إن كان بخطية واحد مات الكثيرون فبالأولى كثيراً نعمة الله والعطية بالنعمة التى بالإنسان الواحد يسوع المسيح قد ازدادت للكثيرين ... فإذاً كما بخطية واحد صار الحكم إلى جميع الناس للدينونة هكذا ببر واحد صارت الهبة إلى جميع الناس لتبرير الحياة . لأنه كما بمعصية الإنسان الواحد جعل الكثيرون خطاة هكذا أيضاً بإطاعة الواحد سيجعل الكثيرون أبراراً » ( رو ٥ :١٥ - ١٩ ) .
● ولكن لماذا يقول للعبد الأمين فى يوم الدينونة :« نعماً أيها العبد الصالح » . (مت ٢٥ : ٢١ ) مع أنه قال للشاب الغنى : « ليس أحد صالحاً إلا واحد وهو الله » (مت ١٩ : ١٧ ) !!! . والتفسير لذلك أنه لن يقولها هنا فى الزمان الحاضر على الأرض . فعلى الأرض يقول : « الجميع زاغوا وفسدوا معاً ليس من يعمل صلاحاً ليس ولا واحد » (رو ٣ : ١٢ ) . لكن عندما يكون الإنسان داخلاً إلى الحياة الأبدية فهناك سيقال له أيها العبد الصالح . يقول الكتاب : « طوبى للذين غفرت آثامهم وسترت خطاياهم . طوبى للرجل الذى لا يحسب له الربِ خطية » ( رو ٤ : ٧ ، ٨ ) . فالذى هو داخل إلى الأبدية يكون قد اغتسل وتبرر ومُحيت خطاياه ، ، فيقول الله له : « قد محوت كغيم ذنوبك وكسحابة خطاياك » ( إش ٤٤ : ٢٢) .
● فلأن خطاياه قد مُحيت ففى دخوله إلى الأبدية يسمع عبارة العبد الصالح ، لكن هنا على الأرض وهو تحت الآلام لايمكن أن يقال عن أى إنسان أنه صالح ، لأنه ليس أحد صالحاً إلا واحد وهو الله ... حتى لوقيلت لا تقال قبل إتمام الفداء لأن الجميع كانوا تحت الدينونة . وكان لا يوجد أحد صالحاً إلا واحد وهو يسوع المسيح فقط ، فحتى أقصى شىء يكون بعد إتمام الفداء ، نستطيع أن نقول إنه يوجد أُناس صالحون وأبرار ، وهذا عندما يتكلل الإنسان بالبر بعد إتمام جهاده ، عندئذ يمكن أن يُلقب بالصالح .
● وعلى هذا فإنه لا يوجد أحد صالح بين البشر جميعاً بمعنى الصلاح الكامل إلا السيد المسيح ، إذاً هذه الآية تثبت أن السيد المسيح هو الله .
● مثال توضيحى لكلام السيد المسيح للشاب الغنى هو ، أنه إذا قابل مثلاً شخص طبيباً لم يكن قد رآه من قبل ولا يعرفه ، وقال له : ما حالك يادكتور ؟ هنا يسأله الطبيب لماذا تقول لى يادكتور ؟ أى كيف عرفت أنى دكتور ؟ وهل تقولها على سبيل المجاملة ، أم أنك تعلم أنى دكتور فعلاً ؟
نيافة الأنبا بيشوى
نيافة الأنبا بيشوى، مائة سؤال وجواب فى العقيدة المسيحية الأرثوذكسية، إعداد الإكليريكى الدكتور سامح حلمى إبراهيم، ط١ (دار نوبار للطباعة، ٢٠٠٤)، ١١٧–١١٩.


