SPSA Church Giving (opens in a new tab)

تفسير آيات كتابية · ٧٧

ما معنى قول السيد المسيح : « وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد ولا الملائكة الذين فى السماء ولا الابن إلا الآب » ( مر ١٣ : ٣٢ ) ؟

Faith Q&A ‹ مائة سؤال وجواب فى العقيدة المسيحية الأرثوذكسية ‹ تفسير آيات كتابية

الجواب

● عندما قال السيد المسيح : « وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد ولا الملائكة الذين فى السماء ولا الابن إلا الآب » ( مر١٣:٣٢) . فمثلما شرح القديس أثناسيوس أنه بحسب إنسانيته أخلى نفسه ووُجد فى الهيئة كإنسان وأخذ صورة عبد . فهو لم يقبل من حيث إنسانيته أن يقتنى معرفة هذا اليوم الأخير ، متنازلاً عن هذه المعرفة بحسب التدبير إلى أن صعد إلى السموات ورُفع فى المجد .

● وقد ورد فى الفقرة (٤٥) من رسالة القديس أثناسيوس الثالثة ضد الأريوسيين مانصه :

( المحبون للمسيح والذين يحملون المسيح ، يعرفون أن الحكمة قال لا أعرف ، لا لأنه لا يعرف ، إذ هو باعتباره الحكمة يعرف ( كل شىء ) ، ولكن لكى يظهر الناحية الإنسانية ، إذ أن الجهل خاص بالبشر ، وأنه قد لبس الجسد الذى يجهل ، والذى بوجوده فيه قال بحسب الجسد : « لا أعرف » . ولهذا السبب فبعد قوله ، ولا الابن يعرف ، وتحدثه عن جهل الناس فى أيام نوح ، أضاف مباشرة قائلاً : « اسهروا إذاً لأنكم لا تعلمون فى أى ساعة يأتى ربكم » و أيضاً « فى ساعة لا تظنون يأتى ابن الإنسان » ( مت ٢٤ : ٢٤ ، ٤٤ ) .

و لكن إذ صرت مثلكم ، من أجلكم قلت : « ولا الابن » لأنه لو كان يجهل كإله ،كان ينبغى أن يقول : « اسهروا إذاً لأنى لا أعرف ، وفى ساعة لا أعلمها » لكن فى الواقع ليس هذا هو ما قاله . و لكن بقوله : « لا تعلمون » و « فى ساعة لا تظنون » ، أوضح بذلك أن الجهل خاص بالبشر ، الذين لأجلهم أخذ جسداً مشابهاً لأجسادهم ، وصار إنساناً . و قال : « ولا الابن يعرف » لأنه لا يعرف بالجسد رغم أنه يعرف ككلمة الله ) .

● وقال أيضاً فى الفقرة (٤٦) من نفس الرسالة : ( عندما سأله التلاميذ عن النهاية ، حسناً قال حينئذ : « و لا الابن » جسدياً ، بحسب الجسد ، لكى يظهر أنه كإنسان لا يعرف . لأن الجهل هو من خصائص البشر ، ولكن إذ هو الحكمة ، وهو الذى سوف يأتى ، وهو الديان ، وهو العريس ، فهو يعرف متى وفى أى ساعة سيأتى ، ومتى سيقال : « استيقظ أيها النائم ، وقم من الأموات ، فيضئ لك المسيح »( أف ٥:١٤ ) .

كما أنه إذ صار إنساناً فهو كان يجوع ويعطش ويتألم مع الناس ، هكذا مع الناس كإنسان لا يعرف ، رغم أنه كإله إذ هو كلمة الآب وحكمته فهو يعرف ، ولا يوجد شىء لا يعرفه ) .

● إذن عندما يقول : أنا أعرف ، يكون بحسب ذهنيته الإلهية .

و عندما يقول : لا أعرف ، فيكون بحسب ذهنيته البشرية .

من حيث إنسانيته هو لا يعرف ، بدون فصل بين اللاهوت والناسوت .

● نعطى لذلك مثلاً بسيطاً : إذا أتى شخص ما على سبيل الفرض وطرق على قبر السيد المسيح يوم السبت بعد موته بالجسد على الصليب ، ونادى : « يا يسوع » ولم يفتح له أحد . فذهب لحال سبيله . ثم قابل هذا الشخص السيد المسيح بعد القيامة ، وقال له إنه طرق على القبر يوم السبت فهل سمعه ؟ فإذا قال له السيد المسيح : « لم أسمع » يكون صادقاً لأنه بحسب الجسد لم يسمع . فالجسد مات موتاً حقيقياً ، وبالتالى حاسة السمع الجسدية لم تكن تعمل . وبقوله ( لم أسمع ) يريد تأكيد موته بحسب الجسد لئلا يظن أحد أنه كان حياً يسمع الطرقات وهو بداخل القبر . العبارة إذن لتأكيد حقيقة إنسانيته الكاملة . وإذا قال له : ( كنت سامعاً ) يكون صادقاً أيضاً ، لأنه من حيث لاهوته هو سامع لكل الأشياء ... هو صادق فى كلامه فى كل من الحالتين .

● العجيب فى شخصية السيد المسيح ، أنه كان ميتاً وحياً فى نفس الوقت ... ميتاً بحسب إنسانيته ، وحياً بحسب ألوهيته ... هو ميت و حى فى آن واحد ... مات حقاً بحسب الجسد ، وفى نفس الوقت لم يمت حقاً بحسب اللاهوت .

وبالمثل فإنه يعرف حقاً بحسب لاهوته ، ولا يعرف حقاً بحسب إنسانيته . ولكن عندما رُفع فى المجد ، دخل ناسوته فى حالة التمجد التى تليق بالابن الوحيد ... ولذلك نقول فى القداس الباسيلى : ( وصعد إلى السموات وجلس عنِ يمينك أيها الآب ورسم يوماً للمجازاة ) ... وعبارة ( رسم يوماً للمجازاة ) تعنى أنه لما رُفع فى المجد ، انتهت فكرة أنه يخلى نفسه من بعض نواحى المعرفة إنسانياً . وبهذا قدم لنا القدوة فى الاتضاع وعدم البحث عما هو فى دائرة سلطان الآب السماوى ، وذلك عندما أخلى نفسه آخذاً صورة عبد .

● إن السيد المسيح شابه إخوته فى كل شىء ما خلا الخطية ، فلو كان قد عرف اليوم والساعة إنسانياً أثناء وجوده على الأرض ، فكيف يكون قد شابه إخوته فى كل شىء ما خلا الخطية ؟!! معنى معرفة اليوم والساعة ، أن هناك أحد الأمور لم يشابهنا فيها ( وهى معرفة اليوم الأخير ) ، ولكنه ارتضى أن يختبر كل ما هو للإنسان بما فى ذلك الجوع والعطش وبما فى ذلك أيضاً أن ينسب إلى نفسه عدم المعرفة ، وهذه كانت أكبر ضربة للشيطان أن يقول السيد المسيح : « وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد ولا الملائكة الذين فى السماء ولا الابن إلا الآب » ( مر ١٣:٣٢ ) . لأن الشيطان قال : لا يمكن أن اللوغوس الذى هو الحكمة الأزلى لا يعرف اليوم و لا الساعة ، وبهذا شك فى ألوهية السيد المسيح وقدرته أن ينتصر على الموت ، فأتم مؤامرة الصلب بكل ما فيها من خيانة وقساوة وعدوان . لقد نسى الشيطان أن السيد المسيح كان يتكلم فى هذا الأمر بحسب إنسانيته إذ أخلى نفسه وأخذ صورة عبد « وإذ وُجد فى الهيئة كإنسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب » (فى ٢ : ٨ ) . وخلاصة الأمر أن الشيطان لم يفهم معنى إخلاء الذات للابن الكلمة المساوى لأبيه فى الجوهر ، وذلك لأن إخلاء الذات يتعارض تماماً مع سعى الشيطان نحو تأليه ذاته !! ...

نيافة الأنبا بيشوى

نيافة الأنبا بيشوى، مائة سؤال وجواب فى العقيدة المسيحية الأرثوذكسية، إعداد الإكليريكى الدكتور سامح حلمى إبراهيم، ط١ (دار نوبار للطباعة، ٢٠٠٤)، ١٢١–١٢٣.

الصفحات فى الكتاب (١٢١، ١٢٢، ١٢٣)صفحة ١٢١ من الكتابصفحة ١٢٢ من الكتابصفحة ١٢٣ من الكتاب

نيافة الأنبا بيشوى، مطران دمياط وكفر الشيخ والبرارى، مائة سؤال وجواب فى العقيدة المسيحية الأرثوذكسية. إعداد الإكليريكى الدكتور سامح حلمى إبراهيم. الطبعة الأولى أكتوبر ٢٠٠٤م ، دار نوبار للطباعة.