الجواب
● لا يعترف البروتستانت بالكهنوت مفسرين خطأ الآية التى قالها السيد المسيح لتلاميذه الرسل الاثنى عشر : « ولا تدعوا لكم أباً على الأرض لأن أباكم واحد الذى فى السموات » ( مت ٢٣ : ٩ ) .
● لنقرأ معاً هذه الفقرة كاملة من إنجيل معلمنا متى : « حينئذ خاطب يسوع الجموع وتلاميذه قائلاً : على كرسى موسى جلس الكتبة والفريسيون . فكل ما قالوا لكم أن تحفظوه فاحفظوه وافعلوه . ولكن حسب أعمالهم لا تعملوا لأنهم يقولون ولا يفعلون ... ويحبون المتكأ الأول فى الولائم . والمجالس الأولى فى المجامع . والتحيات فى الأسواق . وأن يدعوهم الناس سيدى سيدى . وأما أنتم فلا تُدْعَوا سيدى لأن معلمكم واحد المسيح وأنتم جميعاً إخوة . ولا تدعوا لكم أباً على الأرض لأن أباكم واحد الذى فى السموات . ولا تدعوا معلمين لأن معلمكم واحد المسيح . وأكبركم يكون خادماً لكم . فمن يرفع نفسه يتضع ومن يضع نفسه يرتفع » ( مت ٢٣ : ١ ـ ١٢ ) .
جزء من كلام السيد المسيح هنا موجه إلى الجموع : « فكل ما قالوا لكم أن تحفظوه فاحفظوه وافعلوا » وجزء آخر مخصص للآباء الرسل كما هو واضح من المكتوب : « خاطب يسوع الجموع وتلاميذه » لذلك قال للتلاميذ ( أى الرسل ) : « فلا تُدْعَوا سيدى ... ولا تُدْعَوا معلمين » فمعنى ذلك أنه ينهاهم عن أن يطالبوا الناس بأن يدعوهم سيدى . لأنه يقول إن الكتبة والفريسيين « يحبون ... التحيات فى الأسواق وأن يدعوهم الناس سيدى سيدى » لذلك يقول لهم : « وأكبركم يكون خادماً لكم . فمن يرفع نفسه يتضع ومن يضع نفسه يرتفع » . فهنا يحارب السيد المسيح الكبرياء . فعبارة « فلا تدعوا سيدى » أى لا تطالبوا الناس أن يدعوكم « سيدنا » ، فالاحترام ينبع من الآخر ولا يُفرض عليه ... وهكذا فى عبارة « لا تدعوا معلمين » فلا تلزموا أحداً أن يدعوكم هكذا .
● لكن هل هذا الكلام يتناقض مع كلام الكتاب المقدس نفسه عندما يقول : « فوضع الله أناساً فى الكنيسة أولاً رسلاً . ثانياً أنبياء . ثالثاً معلمين . ثم قوات . وبعد ذلك مواهب شفاء . أعواناً تدابير . وأنواع ألسنة » ( ١ كو ١٢ : ٢٨ ) . إذاً أقام الله فى الكنيسة معلمين ... فهم لا يطلبون من الناس أن يدعوهم معلمين لكن الله أعطاهم هذا .. لذلك يقول : « ولكن لنا مواهب مختلفة بحسب النعمة المعطاة لنا . أنبوة فبالنسبة إلى الإيمان . أم المعلم ففى التعليم . أم الواعظ ففى الوعظ . المعطى فبسخاء . المدبر فباجتهاد . الراحم فبسرور » ( رو ١٢ : ٦ ـ ٨ ) . وأيضاً : « وهو أعطى البعض أن يكونوا رسلاً . والبعض أنبياء . والبعض مبشرين . والبعض رعاة ومعلمين » ( أف ٤ : ١١ ) . فقد أعطى الله البعض أن يكونوا معلمين ، فلا يوجد خطأ إن دُعى أحد معلماً لأن الله نفسه قد أعطاه هذا اللقب !!! ولكن لا ينبغى بأن يطالب الناس بذلك مدركاً أن المسيح هو المعلم الحقيقى . ولذلك قال يعقوب الرسول : « لا تكونوا معلمين كثيرين يا إخوتى » ( يع٣ : ١ ) . والسيد المسيح نفسه فى تواضعه قال : « تعليمى ليس لى بل للذى أرسلنى » ( يو ٧ : ١٦ ) .
● ولكن عندما قال السيد المسيح لتلاميذه : « لاتدعوا سيدى » كان يكلمهم عن التواضع ، وأن لا يطالبوا الناس بأن يدعوهم هكذا ... فعندما يتكلم الراعى لايقول أنا سيدكم ، لأنه يجب أن يشعر فى داخله أنه لا يستحق ، بل هو خادم الجميع .
● فى الصعيد يقولون للجد : ( يا سيدى ) لأنه أب آباء ، والجد فعلاً له مقام محترم فى الأسرة ، ولكن يجب أن يتعامل مع الآخرين باتضاع .
● ويقول قداسة البابا شنوده الثالث هذه النصيحة دائماً : ( كن أخاً فى وسط أولادك وابناً فى وسط إخوتك ) فلا تتعظم .
● أما عن قوله : « لا تدعوا لكم أباً على الأرض » فقد خصص الرب الكلام هنا للآباء الرسل الذين هم بمنزلة البطاركة ، والبطاركة هم رؤساء آباء πατριαρχης ( باتريارشيس ) التى تعنى ( أب لأمة ) فكلمة πατρια ( باتريا ) تعنى ( أسرة ـ عشيرة ـ شعب ـ أمة ) وكلمة αρχη ( أرشى ) بمعنى ( رئيس ) ، ليس هناك أبوة على الأرض تعلو أبوة البطريرك فهو أب الآباء لذلك قال السيد المسيح للآباء الرسل : « لا تدعوا لكم أباً على الأرض » ولا تنسبوا أنفسكم كأبناء لأحد على الأرض ، لأنكم أنتم الآباء فى الكنيسة وكل أبوة بعد ذلك تأتى متدرجة منكم .
● فبولس الرسول يقول لتلميذه تيموثاوس : « إلى تيموثاوس الابن الصريح فى الإيمان نعمة ورحمة وسلام من الله أبينا والمسيح يسوع ربنا » ( ١ تى ١ : ٢ ) . وكذلك « هذه الوصية أيها الابن تيموثاوس أستودعك إياها » ( ١ تى ١ : ١٨ ) ... وهكذا أيضاً يدعو تيطس « إلى تيطس الابن الصريح حسب الإيمان المشترك » ( تى ١ : ٤ ) .
● قال السيد المسيح لا تدعوا سيدى ولا تدعوا معلمين ، أى لا تفتخروا بالسلطة ولا بالتعليم ، لكن بالنسبة للأبوة لم يقل لهم لا تدعوا آباء ، لأن الأبوة شىء جميل ... لذلك يتحدث بولس الرسول إلى أهل كورنثوس فيذكرهم أنه أبوهم بقوله : « لأنه وإن كان لكم ربوات من المرشدين فى المسيح لكن ليس آباء كثيرون ، لأنى أنا ولدتكم فى المسيح يسوع بالإنجيل » ( ١ كو ٤ : ١٥ ) . الربوة عشرة آلاف فهو يقول لهم : لكم عشرات الآلاف من المرشدين لكن ليس آباء كثيرون ، لأنه هو الذى ولدهم فى المسيح بالإنجيل . ويقول للمؤمنين أيضاً : « يا أولادى الذين أتمخض بكم أيضاً إلى أن يتصور المسيح فيكم » ( غل ٤ : ١٩ ) . فالمخاض يحدث عندما تلد المرأة . فهو يتألم ويعانى فى خدمتهم ورعايتهم المستمرة حتى يتصور المسيح فيهم ، أى إلى أن تتضح صورة المسيح بقوة فيهم ، بعد أن لبسوا المسيح فى المعمودية بالإيمان الذى بشرهم به بولس الرسول .
● وأيضاً استخدم يوحنا الرسول كلمة « يا أولادى » وكلمة « أيها الأولاد » كثيراً ، إذ قال : « يا أولادى أكتب إليكم هذا لكى لا تخطئوا . وإن أخطأ أحد فلنا شفيع عند الآب يسوع المسيح البار » ( ١ يو ٢ : ١ ) . وقال أيضاً : « يا أولادى لا نحب بالكلام ولا باللسان بل بالعمل والحق » ( ١ يو ٣ : ١٨ ) . وكرّر كلمة « أيها الأولاد » فى رسالته الأولى عدة مرات : ( ١ يو ٢ : ١٢ ، ١٨ ، ٢٨ ، ٣ : ٧ ، ٥ : ٢١ ) .
● فمن يستطيع أن يحارب الأبوة فى الكنيسة ؟ وهل يستطيع البروتستانت أن لا يدعوا آباءهم الجسديين (يا أبى) ، فلنسأل البروتستانت فى جميع أنحاء العالم إن كان يوجد فيهم شخص واحد لا يقول لأبيه : (يا أبى) !! فإن كان يقول لأبيه الجسدى : ( يا أبى ) ، فهل كثيراً أن يدعو الأب الروحى : ( يا أبى ) ؟ وكيف يطبقون حينئذ الآية التى تقول : « لا تدعوا لكم أباً على الأرض » ؟
● لقد دُعى السيد المسيح أباً كقول الرب : « لأنه يولد لنا ولد ونعطى ابناً وتكون الرياسة على كتفه ويدعى اسمه عجيباً مشيراً إلهاً قديراً أباً أبدياً رئيس السلام » ( إش ٩ : ٦ ) .
أبوة السيد المسيح شىء مفهوم قطعاً بالنسبة لنا ، وأبوة الكهنة هى أبوة مستمدة من أبوة السيد المسيح .
نيافة الأنبا بيشوى
نيافة الأنبا بيشوى، مائة سؤال وجواب فى العقيدة المسيحية الأرثوذكسية، إعداد الإكليريكى الدكتور سامح حلمى إبراهيم، ط١ (دار نوبار للطباعة، ٢٠٠٤)، ١٣٨–١٤١.



