الجواب
● كتب معلمنا لوقا الإنجيلى فى سفر أعمال الرسل عن ظهورات السيد المسيح لتلاميذه بعد القيامة « الذين أراهم أيضاً نفسه حياً ببراهين كثيرة بعدما تألم وهو يظهر لهم أربعين يوماً ويتكلم عن الأمور المختصة بملكوت الله » ( أع ١ : ٣ ) . لم يصعد السيد المسيح بعد قيامته مباشرة إلى السماء ، بل مكث على الأرض أربعين يوماً وهو يظهر لتلاميذه ، لكى تفرح الكنيسة بعريسها السماوى فى قيامته المجيدة وتصبح القيامة يقيناً حقيقياً فى ضمير الكنيسة وذاكرتها ... لأن القيامة هى مصدر القوة والرجاء وموضوع الشهادة فى حياة الكنيسة ، إلى أن يأتى الرب فى مجيئه الثانى واستعلان ملكوت الله .
● هذا العدد ( الأربعين ) له دلالة عميقة ـ إلى جوار لزوم بقاء المسيح القائم أياماً عديدة ليبرهن على قيامته للتلاميذ ـ ويتضح هذا من الأمور الآتية :
ـ لقد صام السيد المسيح أربعين يوماً ، كما صام موسى النبى أربعين يوماً ، وكذلك صام إيليا النبى أربعين يوماً .
ـ ولقد مكث الشعب الإسرائيلى أربعين سنة فى برية سيناء ، منذ خروجهم من أرض مصر إلى أن دخلوا أرض كنعان .
ـ « وكان الزمان الذى ملك فيه داود على إسرائيل أربعين سنة . فى حبرون ملك سبع سنين ، وفى أورشليم ملك ثلاثة وثلاثين سنة » ( ١مل ٢ : ١١ ) .
ـ وكان عمر موسى أربعين سنة حين هرب إلى البرية ( أع ٧ : ٢٣ ) ، ومكث فيها أربعين سنة يرعى الغنم ( أع ٧ : ٣٠ ) ، ثم دعاه الرب وصار قائداً ونبياً لشعب إسرائيل أربعين سنة ثالثة ، فكانت كل أيام حياته مائة وعشرين سنة ( تث ٣٤ : ٧ ) .
ـ وفى مناداة يونان على مدينة نينوى للتوبة نادى منذراً : « بعد أربعين يوماً تنقلب نينوى » (يون ٣ : ٤ ) . وكان يونان رمزاً للسيد المسيح فى مناداته للعالم بالإيمان والتوبة وقبول خلاص الله بالفداء .
ـ وفى أيام نوح جلب الرب طوفاناً على الأرض لسبب كثرة شرور الناس ومعاصيهم ، وجدد الحياة على الأرض مرة أخرى بواسطة نوح وبنيه « وكان المطر على الأرض أربعين يوماً وأربعين ليلة » ( تك ٧ : ١٢ ) . « وكان الطوفان أربعين يوماً على الأرض وتكاثرت المياه ودفعت الفلك فارتفع عن الأرض » (تك ٧ : ١٧ ) . هكذا غمرت أمجاد القيامة الأرض أربعين يوماً حتى ارتفاع الفلك الحقيقى ـ جسد ربنا يسوع المسيح ـ الذى صار خلاص العالم كله وتجديد الحياة على الأرض مرة أخرى .
● إن رقم أربعين من الناحية العددية هو رقم عشرة مكرراً أربع مرات ، أو هو أربعة مكرراً عشر مرات أى مضروباً فى عشرة . ويكون تفسير ذلك كما يلى :
ـ فرقم أربعة يشير إلى أربعة اتجاهات الأرض : المشارق والمغارب ، والشمال والجنوب ... ويشير أيضاً إلى صليب ربنا يسوع المسيح المكون من أربع أذرع (+).
ـ ويشير أيضاً إلى عرش الله حيث الأربعة حيوانات غير المتجسدين ، والذين لهم الأول صورة الإنسان ( إشارة إلى التجسد الإلهى ) ، والثانى صورة العجل أو الثور ( إشارة إلى الذبيحة الخلاصية ) ، و الثالث صورة الأسد ( إشارة إلى القيامة ) ، والرابع صورة النسر ( إشارة إلى الصعود ) . والسيد المسيح بعد صعوده جلس فى يمين عرش الله .
ـ وكذلك يشير إلى الأناجيل ( أى البشائر الأربع ) التى دبّر الرب كتابتها من أجل الكرازة بالإنجيل فى أربعة أرجاء المسكونة . وإذا عدنا إلى عرش الله والأربعة حيوانات غير المتجسدين : فالذى له وجه إنسان يشير إلى إنجيل متى ، والذى له وجه العجل يشير إلى إنجيل لوقا ، والذى له وجه الأسد يشير إلى إنجيل مرقس ، والذى له وجه النسر يشير إلى إنجيل يوحنا .
ـ ورقم العشرة يشير إلى الكمال العددى . ومن مضاعفات رقم العشرة تتكون جميع الأعداد الكبيرة كالمائة والألف والعشرة آلاف والمائة ألف والمليون وهكذا ...
● فرقم أربعين يشير إلى عمل المسيح الكامل من أجل الكثيرين فى أرجاء المسكونة كلها ؛ من مشارق الشمس إلى مغاربها ومن الشمال إلى الجنوب :
ـ ففى صومه الأربعينِى ، صام من أجل المسكونة كلها .
ـ وعلى الصليب ، سُمر الكاهن والذبيح من أجل حياة العالم كله .
ـ وفى بقائه أربعين يوماً على الأرض بعد القيامة ، بقى من أجل المسكونة كلها .
ـ وكل ماعمله السيد المسيح بتجسده وموته الكفارى وقيامته وصعوده ، فهو من أجل حياة العالم وخلاص العالم كله ، ليس لليهود بل للأمم أيضاً ... لكل من يقبل محبته ويؤمن به ، ويطيع وصاياه ، وتكون له الحياة الأبدية .
نيافة الأنبا بيشوى
نيافة الأنبا بيشوى، مائة سؤال وجواب فى العقيدة المسيحية الأرثوذكسية، إعداد الإكليريكى الدكتور سامح حلمى إبراهيم، ط١ (دار نوبار للطباعة، ٢٠٠٤)، ١٤٧–١٤٩.


