الجواب
● قال السيد المسيح لرسله الاثنى عشر : « متى جلس ابن الإنسان على كرسى مجده ، تجلسون أنتم أيضاً على اثنى عشر كرسياً . تدينون أسباط إسرائيل الاثنى عشر » . ( مت ١٩ : ٢٨ )
فمن الواضح أن السيد المسيح قد اختار تلاميذه بنفس عدد أسباط إسرائيل أو أبناء يعقوب الاثنى عشر .
فمن الاثنى عشر سبطاً تكونت كنيسة العهد القديم فى إطار محدود ، وبالاثنى عشر رسولاً تكونت كنيسة العهد الجديد فى المسكونة كلها .
● ولكن لماذا رقم الاثنى عشر بالذات ؟
أولاً : من الملاحظ أن السنة تتكون من اثنى عشر شهراً ، أى أن الزمان يكمل بالنسبة للأرض بالاثنى عشر شهراً . مثل قول الرب لإبراهيم حينما ظهر له عند بلوطات ممرا : « إنى أرجع إليك نحو زمان الحياة ، ويكون لسارة امرأتك ابن » (تك ١٨ : ١٠ ) . والمقصود هنا أنها سوف يكون لها ابن فى نفس الموعد فى العام التالى .
● فى العام الواحد أى فى اثنى عشر شهراً تكمل الأرض دورة كاملة حول الشمس . تكمل كل فصول السنة بكل مافيها من متغيرات . وكمال العام باثنى عشر شهراً ، يرمز إلى كمال الزمان مثلما قال السيد المسيح : « قد كمل الزمان ، واقترب ملكوت الله . فتوبوا وآمنوا بالإنجيل » (مر ١ : ١٥) . حقاً لقد أشرق شمس البر ـ ربنا يسوع المسيح ـ فى ملء الزمان ، حسب وعد الرب : «ولكم أيها المتقون اسمى تشرق شمس البر ، والشفاء فى أجنحتها » (ملا ٤ : ٢ ) . لاتوجد شمس لها أجنحة سوى ربنا يسوع المسيح ، الذى بسط على خشبة الصليب يديه الممدودتين لاحتضان كل التائبين .
ثانياً : نلاحظ أيضاً أن النهار يتكون من اثنى عشرة ساعة ، كما قال السيد المسيح : « أليست ساعات النهار اثنتى عشرة ، إن كان أحد يمشى فى النهار لا يعثر ، لأنه ينظر نور هذا العالم ، ولكن إن كان أحد يمشى فى الليل يعثر لأن النور ليس فيه » (يو ١١ : ٩ ، ١٠) . إن السيد المسيح هو نور العالم ... والبشارة بالإنجيل هى نور العالم ، ولهذا فقد حمل الاثنا عشر تلميذاً هذا النور ، ونشروه فى المسكونة لإنارتها .
كانوا اثنى عشر ليحملوا أنوار ساعات النهار الاثنى عشر . وكل منهم كانت ترمز إليه ساعة من ساعات النهار . كقول الرب عن يوحنا المعمدان : « كان هو السراج الموقد المنير وأنتم أردتم أن تبتهجوا بنوره ساعة » (يو ٥ : ٣٥ ) .
ثالثاً : رقم اثنى عشر هو رقم ثلاثة (مضروباً ) فى رقم أربعة ( ٣ × ٤ = ١٢ ) .
ـ ورقم (٣) هو إشارة إلى الثالوث القدوس وعمله فى خلاص البشرية .
ـ أما رقم (٤) فيشير إلى أربع اتجاهات المسكونة ، أو يشير إلى الإنجيل أى البشائر الأربعة .
ـ وهكذا يكون رقم ١٢ هو إشارة إلى عمل الثالوث القدوس فى خلاص البشرية ، فى أرجاء المسكونة من مشارق الشمس إلى مغاربها ومن الشمال إلى الجنوب .
لهذا قال السيد المسيح لتلاميذه : « اذهبوا إلى العالم أجمع واكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها » (مر ١٦ : ١٥ ) . « وعمّدوهم باسم الآب والابن والروح القدس وعلموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به » (مت ٢٨ : ١٩ ، ٢٠ ) . وبالفعل قيل عن الآباء الرسل : « فى كل الأرض خرج منطقهم وإلى أقصى المسكونة بلغت أقوالهم » . (مز ١٩ : ٤ )
● ومن تاريخ الشعب فى القديم عند خروج بنى إسرائيل من أرض مصر وفى بداية ارتحالهم فى برية سيناء ، بعد عبورهم البحر الأحمر أنهم « جاءوا إلى ايليم وهناك اثنتا عشرة عين ماء وسبعين نخلة » ( خر ١٥ : ٢٧ ) ، وفى هذا إشارة واضحة إلى التلاميذ الاثنى عشر والرسل السبعين الذين عيّنهم السيد المسيح نفسه .
● و من الأمور الجميلة أن الكنيسة القبطية تحتفل بعيد الآباء الرسل يوم ١٢ من الشهر السابع من السنة الميلادية .
رابعاً : فى حديث السيد المسيح عن جيوش الملائكة قال لبطرس الرسول : « أتظن أنى لا أستطيع الآن أن أطلب إلى أبى فيقدم لى أكثر من اثنى عشر جيشاً من الملائكة » . (مت ٢٦ : ٥٣ )
خامساً : وفى سفر الرؤيا رأى القديس يوحنا حول العرش فى السماء أربعة وعشرين قسيساً فى أيديهم مجامر وقيثارات ، ويرفعون بخوراً أمام الله هو صلوات القديسين ( رؤ ٥: ٨ ) . والملاحظ هنا أن رقم ٢٤هو ضعف رقم ١٢ لأن النهار على الأرض ، اثنتا عشرة ساعة ، أما فى السماء فليس هناك نهار وليل ، بل نهار دائم يرمز إليه رقم ٢٤ ( رؤ ٢١ : ٢٥ ) .
سادساً : المئة وأربعة وأربعون ألفاً البتوليون غير الدنسين ( رؤ ١٤ : ٣ ، ٤ ) ، الذين ظهروا فى المشهد السماوى يتبعون الحمل ( المسيح ) أينما ذهب ، هؤلاء هم ١٢ × ١٢ = ١٤٤ مضاعفة ألف مرة . فهؤلاء عاشوا حياة منيرة غير دنسة (١٢ ساعة فى نور النهار ) ، وما فيها من نور هو بحسب الإيمان الرسولى ( × ١٢ رسول ) ، ويصعب حصر عددهم لكثرتهم ( ألوف ) . ولعل هذا يذكرنا بتوبة أهل نينوى الذين قال عنهم الله : إنهم اثنتا عشرة ربوة من الناس أى مائة وعشرون ألفاً . وهو رقم ١٢ × ١٠٠٠ × ١٠ ويرمزون إلى الذين يحيون حياة النور بالتوبة فى أفواج يصعب حصرها (عشرات ألوف ).
● وهنا يتبادر إلى الذهن السؤال التالى :
هل دبر الله أن يكون النهار اثنتى عشرة ساعة ، والسنة اثنى عشر شهراً ، لكى يختار اثنى عشر تلميذاً ؟ أم اختار اثنى عشر تلميذاً لأن النهار اثنتا عشرة ساعة ، والسنة اثنا عشر شهراً ؟
● وللإجابة على ذلك نقول : إن المعنى الأساسى للرقم ١٢ هو الإشارة إلى الثالوث القدوس ، وفى عمله من أجل خلاص البشرية فى أربعة أرجاء المسكونة . وعلى هذا الأساس يأتى ترتيب باقى الأمور .
● حقاً يا رب ما أعجب تدابيرك ! كلها بحكمة صنعت وما أبعد أحكامك عن الفحص وطرقك عن الاستقصاء ! ... وإننا فقط نقف لنتأمل ونتفهم ونتعجب ويبقى أمامنا الكثير لنعرفه عنك يا إلهنا القدوس .
نيافة الأنبا بيشوى
نيافة الأنبا بيشوى، مائة سؤال وجواب فى العقيدة المسيحية الأرثوذكسية، إعداد الإكليريكى الدكتور سامح حلمى إبراهيم، ط١ (دار نوبار للطباعة، ٢٠٠٤)، ١٥٠–١٥٢.


