الجواب
ينبغي أن نعرف أولًا معنى كلمة الخير، ومعنى كلمة الشر، في لغة الكتاب المقدس. لأنه لكل منهما أكثر من معنى...
كلمة شر يمكن أن تكون بمعنى الخطيئة. ولا يمكن أن تقصد بهذا المعنى عبارة "خَالِقُ الشَّرِّ" في (إش45: 7).
لأن الشر بمعنى الخطية، لا يتفق مع صلاح الله الكلى الصلاح، ولكن كلمة (شر) تعني أيضًا – بلغة الكتاب – الضيقات والمتاعب...
كما أن كلمة (خير) لها أيضًا المعنيان المقابلان: إذًا يمكن أن تعني البر والصلاح، عكس الخطيئة. كما تعني – بعكس الضيقات – الغنى والوفرة والبركات والنعم المتنوعة مادية وغير مادية.
ولعل هذا واضح جدًا في قصة أيوب الصديق. فإنه لما حلت عليه الضيقات، وتذمرت امرأته، حينئذ وبخها بقوله: "تَتَكَلَّمِينَ كَلاَمًا كَإِحْدَى الْجَاهِلاَتِ! أَالْخَيْرَ نَقْبَلُ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَالشَّرَّ لاَ نَقْبَلُ؟" (أي2: 10).
أيوب لا يقصد بكلمة الشر هنا الخطية، لأنه لم تصبه خطية من عند الرب. إنما يقصد بالشر ما قد أصابه من ضيقات...
من جهة موت أولاده، وهدم بيته، ونهب مواشيه وأغنامه وجماله وأتنه. هذه الضيقات والمصائب التي يسميها العرف شرًا. وعن هذه المصائب قال الكتاب: "فَلَمَّا سَمِعَ أَصْحَابُ أَيُّوبَ الثَّلاَثَةُ بِكُلِّ الشَّرِّ الَّذِي أَتَى عَلَيْهِ جَاءُوا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ مَكَانِهِ... لِيَرْثُوا لَهُ وَيُعَزُّوهُ" (أي2: 11).
وبهذا المعنى تكلم الرب على معاقبته لبني إسرائيل فقال: "هَئَنَذَا جَالِبٌ شَرًّا عَلَى هَذَا الْمَوْضِعِ وَعَلَى سُكَّانِهِ جَمِيعَ اللَّعَنَاتِ الْمَكْتُوبَةِ فِي السِّفْرِ" (2أي34: 24).
وطبعًا لم يقصد الرب بالشر هنا معنى الخطية...
إنما كان الرب يقصد بالشر: السبي الذي يقع فيه بنو إسرائيل، وانهزامهم أمام أعدائهم، وباقي الضربات التي يعاقبهم بها.
ومن أمثلة هذا الأمر أيضًا قول الرب عن أورشليم: "هَئَنَذَا جَالِبٌ عَلَى هَذَا الْمَوْضِعِ شَرًّا كُلُّ مَنْ سَمِعَ بِهِ تَطِنُّ أُذُنَاهُ" (إر19: 3). وذكر تفصيل هذا (الشر) فقال: "أَجْعَلُهُمْ يَسْقُطُونَ بِالسَّيْفِ أَمَامَ أَعْدَائِهِمْ... وَأَجْعَلُ جُثَثَهُمْ أَكْلًا لِطُيُورِ السَّمَاءِ وَلِوُحُوشِ الأَرْضِ. وَأَجْعَلُ هَذِهِ الْمَدِينَةَ لِلدَّهَشِ وَالصَّفِيرِ... هَكَذَا أَكْسِرُ هَذَا الشَّعْبَ وَهَذِهِ الْمَدِينَةَ كَمَا يُكْسَرُ وِعَاءُ الْفَخَّارِيِّ بِحَيْثُ لاَ يُمْكِنُ جَبْرُهُ بَعْدُ" (إر19: 7- 11).
ونفس المعنى ما ورد في سفر عاموس (9: 4).
وفي وعود الرب لإنقاذ الشعب من السبي والضيق والهزيمة، "هَكَذَا قَالَ الرَّبُّ. كَمَا جَلَبْتُ عَلَى هَذَا الشَّعْبِ كُلَّ هَذَا الشَّرِّ الْعَظِيمِ هَكَذَا أَجْلِبُ أَنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ الْخَيْرِ الَّذِي تَكَلَّمْتُ بِهِ إِلَيْهِمْ" (إر32: 42)، أي يردهم من السبي.
وكلمة الخير هنا لا يقصد بها البر والصلاح، وواضح أيضًا أن كلمة الشر هنا لا يقصد بها الخطيئة.
لعل من كلمة الخير بمعنى النعم، اشتقت كلمة خيرات...
وفي هذا يقول المزمور (مز103: 5) "يُشْبِعُ بِالْخَيْرِ عُمْرَك". ويقول الرب في سفر إرميا "خَطَايَاكُمْ مَنَعَتِ الْخَيْرَ عَنْكُمْ" (إر5: 25).
بهذا المعني قيل عن الرب إنه صانع الخير وصانع الشر "أي أنه يعطي النعم والخيرات، وأيضًا يوقع العقوبة والضيقات...
ما دام الأمر هكذا، إذًا ينبغي أن نفهم معنى كلمة "الشر"...
إن كانت كلمة الشر معناها الضيقات، فمن الممكن أن تصدر عن الله، يريدها أو يسمح بها، تأديبًا للناس، أو حثًا لهم على التوبة، أو لأية فائدة روحية تأتي عن طريق التجارب (يع1: 2- 4).
إذًا عبارة خالق الشر، أو صانع الشر، معناها ما يراه الناس شرًا، أو تعبًا أو ضيقًا، ويكون أيضًا للخير.
أما الخير بمعنى الصلاح، والشر بمعنى الخطيئة، فمن أمثلته:
"لِلاِنْتِقَامِ مِنْ فَاعِلِي الشَّرِّ، وَلِلْمَدْحِ لِفَاعِلِي الْخَيْرِ" (1بط2: 14).
وأيضًا "حِدْ عَنِ الشَّرِّ وَاصْنَعِ الْخَيْرَ" (مز34: 14).
وقول الرب: "بَنُوكُمُ الذِينَ لمْ يَعْرِفُوا اليَوْمَ الخَيْرَ وَالشَّرَّ" (تث1: 39).
وكذلك عبارة "شَجَرَةَ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ" (تك2: 9).
ومن هنا كانت عبارة "يصنع به خيرًا" أي يساعده، يعينه، ينقذه، يعطيه من العطايا والخيرات، يرحمه، يحسن إليه.
وبالعكس عبارة "يصنع به شرًا" أى يؤذيه.
وحينما يجلب الله شرًا على أمة، يقصد بهذا وضعها تحت عصا التأديب، بالضيقات والضربات التي يراها الناس شرًا.
قداسة البابا شنوده الثالث