الجواب
أول ملاحظة أحب أن أقولها تعليقًا على سؤالك:
ما نسميها الآن بالحيوانات المتوحشة، لم تكن متوحشة حين خلقها الله، ولم تكن مفترسة.
كانت تعيش مع أبينا آدم في الجنة، فما كان يخافها، ولا كانت تؤذيه. بل كان يأنس لها، وهو الذي سماها بأسمائها (تك2: 19).
وما كانت هذه الحيوانات تأكل اللحوم وقتذاك.
بل كانت تأكل عشب الأرض. كما قال الرب: "وَلِكُلِّ حَيَوَانِ الأَرْضِ وَكُلِّ طَيْرِ السَّمَاءِ وَكُلِّ دَبَّابَةٍ عَلَى الأَرْضِ فِيهَا نَفْسٌ حَيَّةٌ أَعْطَيْتُ كُلَّ عُشْبٍ أَخْضَرَ طَعَامًا. وَكَانَ كَذَلِكَ" (تك1: 30).
وهذه الحيوانات التي نسميها الآن متوحشة ومفترسة، عاشت في الفلك مع أبينا نوح وأولاده وزوجاتهم، مستأنسة لا تفترس أحدًا، لا من البشر. ولا من باقي الحيوانات. ولكن تغير الأمر فيما بعد، وكيف ذلك؟
لما صار الإنسان يصيد الحيوان، والحيوان يهرب منه، دبت العداوة بينهما وكرد فعل ظهرت الوحشية والافتراس.
وبخاصة أن الله صرح للإنسان بأكل اللحم بعد رسو فلك نوح. وقال له في ذلك: "كُلُّ دَابَّةٍ حَيَّةٍ تَكُونُ لَكُمْ طَعَامًا. كَالْعُشْبِ الأَخْضَرِ دَفَعْتُ إِلَيْكُمُ الْجَمِيعَ. غَيْرَ أَنَّ لَحْمًا بِحَيَاتِهِ دَمِهِ لاَ تَأْكُلُوهُ" (تك9: 3، 4).
وهكذا صار الدم يسفك، وصار الإنسان يأكل لحم بعض الحيوانات، ويطارد البعض الآخر منها. كما دخله الخوف بعد الخطية (تك3: 10) (تك4: 14). وبالخوف صار يهرب من بعض الحيوانات، فكانت تطارده وكانت تفترسه أحيانًا.
وهكذا قال الرب: "وَأَطْلُبُ أَنَا دَمَكُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَقَطْ. مِنْ يَدِ كُلِّ حَيَوَانٍ أَطْلُبُهُ. وَمِنْ يَدِ الإِنْسَانِ أَطْلُبُ نَفْسَ الإِنْسَانِ مِنْ يَدِ الإِنْسَانِ أَخِيهِ. سَافِكُ دَمِ الإِنْسَانِ بِالإِنْسَانِ يُسْفَكُ دَمُهُ" (تك9: 5، 6).
وهكذا نرى أن الوحشية زحفت إلى بعض البشر أيضًا.
وليس فقط إلى الحيوان. فحدث أن قايين قام على أخيه هابيل وقتله (تك4: 8). ولو كان الإنسان يأكل الدم كالوحوش لصار وحشًا مثلها. ولكن الله منعه من أكل الدم. واستمر هذا المنع في شريعة موسى مع عقوبة شديدة (لا17: 10) واستمر منعه في العهد الجديد أيضًا (أع15: 25).
وكما توحشت الحيوانات وصارت تفترس الإنسان وتأكله، هكذا أصبحت تأكل بعضها بعضًا.
القوي منها يفترس الضعيف ويأكله. وهكذا سميت وحوشًا مفترسة. ولكنها من البدء لم تكن كذلك. أما تسميتها في الأصحاح الأول من سفر التكوين (تك1: 24، 25). فكان باعتبار ما آل إليه أمرها حين كتابة هذا السفر أيام موسى النبي (حوالي سنة1400 قبل الميلاد تقريبًا).
أما عن الحيات والعقارب والحشرات، فلا بد أن لها فوائد.
أتذكر أنني منذ حوالي أربعين عامًا، كنت قد قرأت إجابة للقديس جيروم عن مثل هذا السؤال في مجموعة كتابات آباء نيقية وما بعد نيقية The writings of Nicene & post Nicene Fathers ذكر في رده كثيرًا من الفوائد الطبية وغيرها لأمثال هذه الحشرات وللعقارب مثلًا. أرجو أن أرجع إلى رد القديس جيروم وأنشره لكم مترجمًا.
يكفي أن الصيدليات حاليًا شعارها حية تنفث سمها في كأس.
فبعض السموم لها فوائد، إن أخذت بحكمة وبمقدار، كما قال الشاعر:
بعضُ السُّمِّ تِرياقٌ لبعضٍ .:. وقد يُشفى العُضالُ من العُضالِ
وإن كان القديس جيروم قد ذكر فوائد لتلك الحشرات وبعضها سام. وكان جيروم يعيش في القرن الرابع وأوائل الخامس، فماذا نقول نحن في أواخر القرن العشرين مع كل ما وصل إليه العلم من رقي؟! لا شك أن العلم يكشف فوائد أكثر تحتاج إلى دراسة علمية ونشر.
كما أن هذه الكائنات - من الناحية الأخرى - يرمز ضررها إلى الشر.
فالحية صارت اسمًا من أسماء الشيطان (رؤ20: 2). وقصتها معروفة مع أمنا حواء، وكيف خدعتها الحية وأسقطتها (تك3). فإن كانت بهذه الدرجة من الضرر. وقد سمح الله بأن تكون هناك عداوة بيننا وبينها... فإنه دفاعًا عنها منها، أعطانا سلطانًا عليها، وقال: "هَا أَنَا أُعْطِيكُمْ سُلْطَانًا لِتَدُوسُوا الْحَيَّاتِ وَالْعَقَارِبَ وَكُلَّ قُوَّةِ الْعَدُّوِ وَلاَ يَضُرُّكُمْ شَيْءٌ" (لو10: 19).
وأعود فأقول إنه حينما خلق الله هذه الكائنات لم تكن ضارة.
وحتى الشيطان نفسه لم يكن ضارًا ولا شريرًا، كان ملاكًا، كاروبًا، ملأن حكمة وكامل الجمال (حز28: 12، 14، 15).
قداسة البابا شنوده الثالث