الجواب
والجواب هو أن الله لو قام بعملية الفداء في الأجيال الأولى للبشرية، ما كان الناس يفهمون الفداء، وما كانوا يدركونه.
كان لا بد إذًا من إعداد البشر لفهم التجسد ولفهم الفداء. بل أيضًا ترسيخ ذلك في عقولهم، حتى إذا ما تم الخلاص بالفداء يمكنهم أن يدركوا معناه وهدفه اللاهوتي، ويؤمنوا به. فكيف حدث ذلك؟
فكرة الفداء والذبائح:
الفداء هو أن نفسًا تموت عوضًا عن نفس أخرى. نفسًا بريئة غير مستحقة للموت، تموت بدلًا من نفس خاطئة تستحق الموت.
والإنسان كان مستحقًا للموت بسبب عصيانه لله الذي قال له: يوم تأكل من تلك الشجرة موتًا تموت (تك2: 17). ومن رحمة الله أراد أن يفديه. ولكن لا بد من تقديم الفكرة، وبتدريج طويل يثبت في ذهنه. فما هي الخطوات التي اتخذها الله لأجل هذا الغرض؟
1- يقول الكتاب إن الإنسان لما أخطأ، بدأ يشعر بعريه، فغطى نفسه بأوراق التين. ولكن الله بدلًا منها "صَنَعَ الرَّبُّ... أَقْمِصَةً مِنْ جِلْدٍ وَأَلْبَسَهُمَا" (تك3: 21). ومن أين هذا الجلد إلا من ذبيحة؟... وهنا رسخت حقيقة في عقل الإنسان:
أن الخطيئة تجلب العُري والشعور بالخزي، بينما الذبيحة تغطي وتستر.
2- واستمر تقديم الذبائح. فنسمع أن هابيل قدم قربانا للرب "مِنْ أَبْكَارِ غَنَمِهِ وَمِنْ سِمَانِهَا" (تك4: 4). ولا شك أن فكرة تقديم الذبيحة قد أخذها هابيل عن أبيه آدم، وآدم عرفها من الله. والذي يتضح من ذبيحة هابيل هذه، أنها كانت أفضل ما عنده، وأن الله قد قبلها...
3- نلاحظ أيضًا أن كل الذبائح قبل شريعة موسى كانت محرقات:
أي أن النار تظل تحرقها حتى تتحول إلى رماد (لا6: 9، 10). لا يأكل منها مقدمها، ولا أحد من أصحابه، ولا الكاهن. بل تكون كلها للنار. والنار ترمز إلى العدل الإلهي. أي أن العدل الإلهي يأخذ حقه كاملًا...
أبونا نوح أصعد محرقات على المذبح من كل الحيوانات الطاهرة (تك8: 20) وإبراهيم أيضًا قدم محرقة (تك22: 13). وأيوب أصعد كذلك محرقات (أي1: 5).
4- وكانت المحرقات لإرضاء الله الذي أغضبته الخطايا.
لذلك لما أصعد نوح محرقاته، قيل: "فَتَنَسَّمَ الرَّبُّ رَائِحَةَ الرِّضَا. وَقَال... لاَ أَعُودُ أَلْعَنُ الأَرْضَ أَيْضًا مِنْ أَجْلِ الإِنْسَانِ" (تك8: 21).
5- نرى معاني أخرى في ذبيحة الفصح (خر12) التي كانت ترمز إلى المسيح (1كو5: 7).
صدر حكم الله بالموت على جميع الأبكار. وكان الملاك المهلك سيمر ويضرب كل بكر "مِنْ بِكْرِ فِرْعَوْنَ الْجَالِسِ عَلَى كُرْسِيِّهِ إِلَى بِكْرِ الأَسِيرِ الَّذِي فِي السِّجْنِ" (خر12: 29). وأراد الله أن يخلص أبكار بني إسرائيل، فأمرهم أن يذبحوا خروف الفصح، ويرشوا من دمه على أبوابهم. ووعدهم قائلًا: "وَيَكُونُ لَكُمُ الدَّمُ عَلاَمَةً عَلَى الْبُيُوتِ... فَأَرَى الدَّمَ وَأَعْبُرُ عَنْكُمْ" (خر12: 13). وهكذا دخلت في أذهانهم هذه الحقيقة الهامة وهي:
الخلاص بالدم، من الموت والهلاك.
ورسخت هذه الحقيقة بمرور الأجيال، إذ أصبح الفصح عيدًا يعيدونه كل عام بقول الرب لهم: "وَيَكُونُ لَكُمْ هَذَا الْيَوْمُ تَذْكَارًا فَتُعَيِّدُونَهُ عِيدًا لِلرَّبِّ. فِي أَجْيَالِكُمْ تُعَيِّدُونَهُ فَرِيضَةً أَبَدِيَّةً" (خر12: 14).
وأصبح رمزًا للخلاص بدم المسيح. ولذلك ليس غريبًا فيما بعد أن يقول القديس بولس الرسول: "لأَنَّ فِصْحَنَا أَيْضًا الْمَسِيحَ قَدْ ذُبِحَ لأَجْلِنَا. إِذًا لِنُعَيِّدْ..." (1كو5: 7، 8). وارتبط الفصح بالدم.
6- وادخل الرب في أذهانهم فكرة هامة وهي الكفارة.
ففي كل الذبائح التي رتبها موسى لهم لمغفرة خطاياهم كانت تتكرر عبارة "الكفارة": سواء في ذبيحة المحرقة (لا1: 4)، أو في ذبيحة الخطية (لا4: 20، 26). أو في ذبيحة الإثم (لا5: 6، 22). أو في يوم الكفارة العظيم (لا16) للتكفير عن خطايا الشعب كله (لا16: 17، 18) وذلك للتقديس والتطهير والصفح عن الخطايا والنجاسات. ولذلك ليس غريبًا أن قال القديس يوحنا الرسول فيما بعد: "وَإِنْ أَخْطَأَ أَحَدٌ فَلَنَا شَفِيعٌ عِنْدَ الآبِ، يَسُوعُ الْمَسِيحُ الْبَارُّ. وَهُوَ كَفَّارَةٌ لِخَطَايَانَا. لَيْسَ لِخَطَايَانَا فَقَطْ، بَلْ لِخَطَايَا كُلِّ الْعَالَمِ أَيْضًا" (1يو2: 1، 2)، (1يو4: 10).
ولارتباط الذبيحة بالمغفرة، قال القديس بولس مبدأ هامًا هو:
"بِدُونِ سَفْكِ دَمٍ لاَ تَحْصُلُ مَغْفِرَةٌ" (عب9: 22)، حسب الناموس.
إذًا كل تلك الذبائح كانت إعدادًا للشعب، لفهم مبادئ الكفارة والفداء وغفران الخطايا بالدم. ولذلك كان مقدم الذبيحة يضع يده على رأس الذبيحة ويقر بخطاياه (لا5: 5). فتحمل الذبيحة خطاياه عنه، وتسمى الحمل. وهكذا قال يوحنا المعمدان فيما بعد عن المسيح "هُوَذَا حَمَلُ اللَّهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ" (يو1: 29).
7- وبمرور الأجيال أصبح اليهود ينتظرون هذا المخلص.
حتى ظهر هذا المعنى في أسماء بعض أنبيائهم مثل (يشوع) بمعنى مخلص، ومثل إشعياء، وهوشع بمعنى الله يخلص. وارتبط هذا الخلاص عندهم بانتظار المسيا أو المسيح. حتى أن السامريين لما تقابلوا مع السيد المسيح، قالوا: "نُؤْمِنُ... وَنَعْلَمُ أَنَّ هَذَا هُوَ بِالْحَقِيقَةِ الْمَسِيحُ مُخَلِّصُ الْعَالَمِ" (يو4: 42).
ولم يكتف الرب بتقديم هذه الرموز عن الذبائح وغيرها، بل قدم لهم أيضًا نبوءات عن هذا المسيح المخلص وعمله وصفته:
أعدهم بالنبوءات:
* منها ما ورد في سفر إشعياء "هَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْنًا وَتَدْعُو اسْمَهُ عِمَّانُوئِيلَ" (إش7: 14). وأيضًا "لأَنَّهُ يُولَدُ لَنَا وَلَدٌ وَنُعْطَى ابْنًا وَتَكُونُ الرِّيَاسَةُ عَلَى كَتِفِهِ وَيُدْعَى اسْمُهُ عَجِيبًا مُشِيرًا إِلَهًا قَدِيرًا أَبًا أَبَدِيًّا رَئِيسَ السَّلاَمِ... عَلَى كُرْسِيِّ دَاوُدَ" (إش9: 6، 7).
* وعن آلامه وفدائه لنا وحمله خطايانا، قيل أيضًا في سفر إشعياء النبي:
"وَهُوَ مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا مَسْحُوقٌ لأَجْلِ آثَامِنَا... كُلُّنَا كَغَنَمٍ ضَلَلْنَا. مِلْنَا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى طَرِيقِهِ وَالرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا" (إش53: 5، 6). وقيل أيضًا: "أَمَّا الرَّبُّ فَسُرَّ بِأَنْ يَسْحَقَهُ بِالْحُزْنِ" "جَعَلَ نَفْسَهُ ذَبِيحَةَ إِثْمٍ" "وَأُحْصِيَ مَعَ أَثَمَةٍ" (أش53: 10، 12).
* وقال عنه داود النبي في المزامير "ثَقَبُوا يَدَيَّ وَرِجْلَيَّ. أُحْصِي كُلَّ عِظَامِي... يَقْسِمُونَ ثِيَابِي بَيْنَهُمْ وَعَلَى لِبَاسِي يَقْتَرِعُونَ" (مز22: 16- 18). قال هذا عن السيد المسيح. وقال عن خيانة يهوذا له: "الَّذي أكَلَ خُبْزي رَفَعَ عَليَّ عَقِبَهُ" (مز41: 9).
* وما أكثر النبوءات في المزامير وكتب الأنبياء وغيرها. هذه التي قال عنها لتلاميذه بعد القيامة "أَنَّهُ لاَ بُدَّ أَنْ يَتِمَّ جَمِيعُ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ عَنِّي فِي نَامُوسِ مُوسَى وَالأَنْبِيَاءِ وَالْمَزَامِيرِ" (لو24: 44).
* حتى ميلاده في بيت لحم، نرى في قصة المجوس، إنه لما سأل هيرودس الكتبة "أَيْنَ يُولَدُ الْمَسِيحُ؟ فَقَالُوا لَهُ: فِي بَيْتِ لَحْمِ الْيَهُودِيَّةِ لأَنَّهُ هَكَذَا مَكْتُوبٌ بِالنَّبِيِّ" (مت2: 4، 5).
* كل ما يتعلق بالمسيح المخلص أعده الله في أذهان الناس برموز ونبوءات، يمكن أن تقرأ تفاصيل عنها في كتاب معروف مثل (المسيح في جميع الكتب)، ويتحقق بها الناس أنه هو المسيح.
إعداد الأشخاص:
انتظر الرب حتى أعد فهم الناس للفداء والكفارة والذبيحة، حتى أعدهم أيضًا بالنبوءات. وانتظر أيضًا حتى أعد الشخصيات التي تعاصر الميلاد، وتشترك في تأدية الرسالة.
انتظر حتى تولد العذراء القديسة التي يولد منها المسيح المخلص.
العذراء الطاهرة التي يمكن أن تكون أمًّا لرب المجد، فتحبل به وترضعه بعد ميلاده، ويعيش في كنفها في فترة طفولته. العذراء المتواضعة التي تحتمل مجدًا كهذا، بكل ما فيه من ملائكة ورؤى ومعجزات، وتحتمل أن جميع الأجيال تطوبها (لو1: 48). كانت صفة التواضع لازمة لاحتمال ذلك المجد، وهكذا "تَبْتَهِجُ رُوحِي بِاللَّهِ مُخَلِّصِي. لأَنَّهُ نَظَرَ إِلَى اتِّضَاعِ أَمَتِهِ" (لو1: 47، 48).
وانتظر الرب حتى يولد المعمدان، الملاك الذي يهيئ الطريق قدامه (مر1: 2) الذي يشهد قائلًا: "الَّذِي يَأْتِي بَعْدِي هُوَ أَقْوَى مِنِّي الَّذِي لَسْتُ أَهْلًا أَنْ أَحْمِلَ حِذَاءَهُ" (مت3: 11)، (يو1: 27). والذي يقول: "لَسْتُ أَنَا الْمَسِيحَ بَلْ إِنِّي مُرْسَلٌ أَمَامَهُ... يَنْبَغِي أَنَّ ذَلِكَ يَزِيدُ وَأَنِّي أَنَا أَنْقُصُ. اَلَّذِي يَأْتِي مِنْ فَوْقُ هُوَ فَوْقَ الْجَمِيعِ... اَلَّذِي يَأْتِي مِنَ السَّمَاءِ هُوَ فَوْقَ الْجَمِيعِ" (يو3: 28- 31).
* وانتظر الرب وقت الذي تكمل فيه جوقة الاثني عشر وباقي الرسل والتلاميذ أولئك الذين يحملون رسالته إلى العالم أجمع، وإلى أقطار المسكونة تبلغ أصواتهم. الذين يكرزون به قائلين: "يَنْبَغِي أَنْ يُطَاعَ اللهُ أَكْثَرَ مِنَ النَّاسِ" (أع5: 29) "أَمَّا نَحْنُ فَلَنَا فِكْرُ الْمَسِيحِ" (1كو3: 16).
* وانتظر حتى يوافق وجود هؤلاء، وجود الكتبة والفريسيين وكهنة اليهود الذين يسلمونه للموت حسدًا، ووجود يهوذا الذي يخونه، وكذلك والٍ روماني جبان، يحكم عليه خوفًا من اليهود.
* وانتظر الرب حتى توجد لغة عالمية تساعد على انتشار الكرازة هي اللغة اليونانية، التي ترجم إليها العهد القديم (الترجمة السبعينية) مما يساعد على انتشار النبوات والرموز. وكذلك حكم الرومان الذي بدأ من سنة 30 ق. م. وانتشرت به الطرق الرومانية التي تساعد على انتقال الرسل... ولما كمل كل هذا، انطبق قول الرسول.
"وَلَكِنْ لَمَّا جَاءَ مِلْءُ الزَّمَانِ، أَرْسَلَ اللهُ ابْنَهُ مَوْلُودًا مِنِ امْرَأَةٍ، مَوْلُودًا تَحْتَ النَّامُوسِ، لِيَفْتَدِيَ الَّذِينَ تَحْتَ النَّامُوسِ، لِنَنَالَ التَّبَنِّيَ" (غلا4: 4، 5).
حقًا إن الله يفعل كل شيء في حينه الحسن، في ملء الزمان، حينما يصير كل شيء ممهدًا حسب وفرة حكمته. إنه لا يتأخر، ولا يسرع. وإنما "لِكُلِّ شَيْءٍ زَمَانٌ وَلِكُلِّ أَمْرٍ تَحْتَ السَّمَاوَاتِ وَقْتٌ" (جا3: 1). فلما جاء الوقت، نفذ الله وعده بالخلاص.
قداسة البابا شنوده الثالث