الجواب
1- الخلاف في الأسماء:
في الواقع أن متى الإنجيلي سرد من جانبه النسب الطبيعي للسيد المسيح، بينما سرد لوقا النسب الشرعي أو الرسمي. ولتفسير هذا نقول الآتي:
نصت شريعة موسى على أنه إن توفي رجل بدون نسل، يجب أن يدخل أخو المتوفي على أرملة أخيه، وينجب لأخيه المتوفي نسلًا منها، أي أن الابن الذي ينجبه يصبح من الناحية الشرعية ابنًا رسميًا لأخيه المتوفي، وإن كان يعتبر ابنًا طبيعيًا لهذا الأخ الذي أنجبه من صلبه.
وبهذا يكون لمثل هذا الابن أبوان: أب طبيعي وهو الذي أنجبه، وأب شرعي وهو عمه المتوفي بدون نسل.
وهذا هو ما ورد في سفر التثنية عن هذا الأمر:
"إِذَا سَكَنَ إِخْوَةٌ مَعًا وَمَاتَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ وَليْسَ لهُ ابْنٌ فَلا تَصِرِ امْرَأَةُ المَيِّتِ إِلى خَارِجٍ لِرَجُلٍ أَجْنَبِيٍّ. أَخُو زَوْجِهَا يَدْخُلُ عَليْهَا وَيَتَّخِذُهَا لِنَفْسِهِ زَوْجَةً وَيَقُومُ لهَا بِوَاجِبِ أَخِي الزَّوْجِ. وَالبِكْرُ الذِي تَلِدُهُ يَقُومُ بِاسْمِ أَخِيهِ المَيِّتِ لِئَلا يُمْحَى اسْمُهُ مِنْ إِسْرَائِيل" (تث25: 5، 6).
فإن حدث أن هذا المتوفي بدون أولاد لم يكن له أخ، فإن أقرب أقربائه يأخذ امرأته ليقيم له نسلًا، لأن الابن الذي يولد ينسب لهذا المتوفي حسب الناموس. وإذا كان النسيب الأقرب لا يريد أن يأخذ زوجة المتوفي حسبما كلف، فإن النسيب الذي يليه في القرابة لا بد أن يقبل هذا الزواج، لأن الشريعة تحرص على إقامة نسل ذلك المتوفي بدون إنجاب بنين. وهذا النوع من الزواج يسمى (الفك)، وله مثل واضح في سفر راعوث في قصتها مع بوعز. وفي تفصيل ذلك يقول القديس ساويرس بطريرك أنطاكية:
"وبهذه الطريقة فإن يوسف خطيب القديسة العذراء ينتسب في الواقع إلى أبوين اثنين: لأنه حيث أن هالي اتخذ له امرأة ومات دون أن ينجب بنين، فإن يعقوب - الذي كان أقرب الأنسباء إليه - تزوج امرأته لكي ينجب له نسلًا منها حسبما أمرت الشريعة. فلما أنجب منها يوسف. صار يوسف هذا ابنًا شرعيًا لهالي المتوفي، وفي نفس الوقت ابنًا طبيعيًا ليعقوب". ومن أجل هذا قال متى من جانبه إن يوسف هو ابن يعقوب. ولوقا من الجانب الآخر قال إنه ابن هالي. أحدهما أورد النسب الطبيعي، والآخر أورد النسب الشرعي.
ومتى من جانبه ذكر الآباء الطبيعيين ليوسف، ولوقا من الجانب الآخر ذكر الآباء الشرعيين. ووصل لوقا بالنسب الشرعي للمسيح حتى ناثان بن داود، ومتى وصل بالنسب الطبيعي حتى سليمان بن داود. وتلاقى الاثنان عند داود... وبين متى ولوقا، كان المجرى يتشابه أحيانًا، ثم ينقسم متنوعًا، ثم يعود فيتحد ثم ينفصل...
وبهذا سواء من الناحية الطبيعية أو الشرعية يثبت المسيح... من حيث أنه ابن لداود، وابن لإبراهيم، وابن لآدم.
2، 3- الخلاف في الصعود والهبوط، وعلاقة ذلك بالعماد:
وبدأ متى إنجيله بقوله: "كِتَابُ مِيلاَدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِ دَاوُدَ ابْنِ إِبْراهِيمَ.." وبعد هذا مباشرة شرح الأنساب إذ قال: "إِبْراهِيمُ وَلَدَ إِسْحاقَ. وَإِسْحاقُ وَلَدَ يَعْقُوبَ". وبعد أن ذكر أولئك الذين ولدوا من معاشرات فيها أخطاء، أتى في النهاية إلى إحصاء الأجيال. ثم قال مباشرة "أَمَّا وِلاَدَةُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ فَكَانَتْ هَكَذَا..." (مت1: 18).
وهكذا بعد أن شرح الفساد والموت الذي مرت به كل تلك الأجيال، وصل إلى ولادة السيد المسيح الطاهرة التي من الروح القدس ومن العذراء مريم.
أما لوقا فروى البشارة، وميلاد المعمدان، وميلاد المسيح وتدرج حتى وصل إلى عماد الرب في سن الثلاثين. وهنا ذكر الأنساب الشرعيين...
ويشرح القديس ساويرس بطريرك أنطاكية هذا الموضع فيقول:
إن لوقا شرح الأنساب الشرعية، التي تذكرنا بمن مات دون نسل، ثم أقيم اسمه بعد موته، بابن ينتسب إليه، بطريقة فيها مثال للتبني والقيامة...
وذكر تلك الأنساب بعدما أورد قصة العماد... ذلك لأن المعمودية تعطي التبني الحقيقي السمائي، في إظهار أولاد الله. لذلك ذكر الأنساب الشرعية التي تعطى للتبني. لإظهار أن هذا المثال قد تثبت بالحقيقة. وأن الحالة المرضية التي للناس، قد أعيدت إلى الصحة بواسطة النعمة.
ولهذا السبب صعد بالأنساب من أسفل إلى فوق، وأوصلها إلى الله، ليظهر أن النعمة التي تأتي بالمعمودية ترفعنا وتصعد بنا إلى النسب الإلهي، حيث تجعلنا أولادًا لله.
تمامًا كما أن اتحاد الزواج الذي تم بعد كسر آدم وحواء للوصية، وإنجاب البنين الذي نتج عن ذلك، جعلنا نهبط إلى أسفل. لإتمام هذه الصورة نزل متى بالأنساب الطبيعية إلى أسفل.
ويقول القديس أغسطينوس:
متى ينزل بالأنساب، مشيرًا إلى ربنا يسوع المسيح نازلًا ليحمل خطايانا. لأنه من نسل إبراهيم تتبارك جميع الشعوب (تك12: 3). وهكذا لم يبدأ من آدم.
قداسة البابا شنوده الثالث