الجواب
مكوث القديس بولس الرسول في البرية ثلاث سنوات أمر لا خلاف عليه.
ويمكن استنتاجه مما قاله هذا القديس في رسالته إلى غلاطية حيث قال: "لَمَّا سَرَّ اللهَ الَّذِي أَفْرَزَنِي مِنْ بَطْنِ أُمِّي، وَدَعَانِي بِنِعْمَتِهِ. أَنْ يُعْلِنَ ابْنَهُ فِيَّ لِأُبَشِّرَ بِهِ بَيْنَ الأُمَمِ، لِلْوَقْتِ لَمْ أَسْتَشِرْ لَحْمًا وَدَمًا. وَلاَ صَعِدْتُ إِلَى أُورُشَلِيمَ إِلَى الرُّسُلِ الَّذِينَ قَبْلِي، بَلِ انْطَلَقْتُ إِلَى الْعَرَبِيَّةِ، ثُمَّ رَجَعْتُ أَيْضًا إِلَى دِمَشْقَ. ثُمَّ بَعْدَ ثَلاَثِ سِنِينَ صَعِدْتُ إِلَى أُورُشَلِيمَ" (غلا1: 15 - 18).
ولكن ليس معنى مكوثه في البرية، أنه قضى الثلاث سنوات مع السيد المسيح.
إن كان الرسل الاثنا عشر كانوا في احتياج أن يظهر لهم السيد الرب خلال أربعين يومًا بعد القيامة يحدثهم عن الأمور المختصة بملكوت الله (أع1: 3)، فهل من المعقول أن رسولًا واحدًا يمكث معه السيد المسيح ثلاث سنوات؟!
ولكن من المعروف أن الرب ظهر للقديس بولس الرسول أكثر من مرة:
* ظهر له أول مرة في طريق دمشق حيث دعاه لخدمته (أع9).
* وفي خدمته في كورنثوس، ظهر له الرب برؤيا في الليل. وقال له: "لاَ تَخَفْ بَلْ تَكَلَّمْ وَلاَ تَسْكُتْ. لأَنِّي أَنَا مَعَكَ وَلاَ يَقَعُ بِكَ أَحَدٌ لِيُؤْذِيَكَ لأَنَّ لِي شَعْبًا كَثِيرًا فِي هَذِهِ الْمَدِينَةِ" (أع18: 9، 10).
* وظهر له الرب مرة أخرى في أورشليم، وقال القديس بولس في ذلك: "وَحَدَثَ لِي بَعْدَ مَا رَجَعْتُ إِلَى أُورُشَلِيمَ وَكُنْتُ أُصَلِّي فِي الْهَيْكَلِ أَنِّي حَصَلْتُ فِي غَيْبَةٍ. فَرَأَيْتُهُ قَائِلًا لِي: أَسْرِعْ وَاخْرُجْ عَاجِلًا مِنْ أُورُشَلِيمَ... اذْهَبْ فَإِنِّي سَأُرْسِلُكَ إِلَى الأُمَمَ بَعِيدًا" (أع22: 17- 21).
* وفي المرة الرابعة في أورشليم أيضًا "وَقَفَ بِهِ الرَّبُّ وَقَالَ: ثِقْ يَا بُولُسُ لأَنَّكَ كَمَا شَهِدْتَ بِمَا لِي فِي أُورُشَلِيمَ هَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ تَشْهَدَ فِي رُومِيَةَ أَيْضًا" (أع23: 11).
وكلها لقاءات أو رؤى ربما استمرت دقائق، ولا تعني مكوث ثلاث سنوات، كما أنها لم تكن في البرية.
وغالبًا كانت له لقاءات أخرى مع الرب، تظهر إحداها في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس، حينما حدثهم عن التناول من جسد الرب ودمه، ووجوب التناول باستحقاق وعقوبة التناول بغير استحقاق. حيث قال لهم:
"تَسَلَّمْتُ مِنَ الرَّبِّ مَا سَلَّمْتُكُمْ أَيْضًا..." (1كو11: 23).
ولكنه كله لا يعني أنه قضى مع الرب ثلاث سنوات. غير أن نعمة الرب كانت باستمرار معه. يكفي أنه قال: "أَحْيَا لاَ أَنَا بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ" (غلا2: 20).
قداسة البابا شنوده الثالث