SPSA Church Giving (opens in a new tab)

أسئلة في الكتاب المقدس · ٩٢

هل نقض المسيح شريعة موسى وكَوَّن شريعة جديدة؟!

Faith Q&A ‹ سنوات مع أسئلة الناس ‹ أسئلة في الكتاب المقدس

السؤال

في أكثر من مرة في العظة على الجبل، قال السيد المسيح: "سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ... وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ..." (مت5).

فهل معنى هذا، أنه نقض شريعة موسى، وقدم شريعة جديدة؟ كما يظهر من قوله مثلًا: سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: عَيْنٌ بِعَيْنٍ وَسِنٌّ بِسِنٍّ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ... مَنْ لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ الأَيْمَنِ فَحَوِّلْ لَهُ الآخَرَ أَيْضًا..." (مت5: 38، 39). والأمثلة كثيرة...

الجواب

السيد المسيح لم ينقض شريعة موسى. ويكفي في ذلك قوله: "لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأَنْقُضَ النَّامُوسَ أَوِ الأَنْبِيَاءَ. مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لِأُكَمِّلَ. فَإِنِّي الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِلَى أَنْ تَزُولَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ لاَ يَزُولُ حَرْفٌ وَاحِدٌ أَوْ نُقْطَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ النَّامُوسِ حَتَّى يَكُونَ الْكُلُّ" (مت5: 17، 18).

إذًا لا نقول فقط، إن شريعة العهد القديم لم تلغ ولم تنقض. بل أن حرفًا واحدًا منها لا يمكن أن يزول.

إذًا ما معنى: قيل لكم عين بعين، وسن بسن؟

إن هذا كان شريعة للقضاء، وليس لتعامل الأفراد.

بهذا يحكم القاضي حين يفصل في الخصومات بين الناس. ولكن ليس للناس أن يتعاملوا هكذا بعضهم مع البعض الآخر.

ولكن إن فهمه الناس خطأ أنه هكذا ينبغي أن يتعاملوا!! فإن السيد المسيح يصحح مفهومهم الخاطئ بقوله: "مَنْ لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ الأَيْمَنِ فَحَوِّلْ لَهُ الآخَرَ أَيْضًا".

وهكذا تابع الحديث معهم قائلًا:

"سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: تُحِبُّ قَرِيبَكَ وَتُبْغِضُ عَدُوَّكَ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ" (مت5: 43، 44).

هنا لم ينقض السيد المسيح الشريعة القديمة، وإنما صحح مفهومهم عن معنى القريب. إذ كانوا يظنون أن قريبهم هو اليهودي حسب الجنس. أما السيد المسيح فبين لهم أن قريبهم هو الإنسان عمومًا، ابن آدم وحواء...

فكل إنسان يجب أن يقابلوا إساءته بالإحسان. فالمفهوم الحقيقي للشريعة هو هذا. بل إن هذا يتفق مع الضمير البشري، حتى من قبل شريعة موسى... وهذا ما سار عليه الآباء والأنبياء، قبل الشريعة وبعدها.

مثال ذلك يوسف الصديق، الذي تآمر عليه إخوته وأرادوا أن يقتلوه، ثم طرحوه في بئر. وأخيرًا بيع كعبد للإسماعيليين، فباعوه إلى فوطيفار (تك37). يوسف هذا أحسن إلى إخوته، وأسكنهم في أرض جاسان، وعالهم هم وأولادهم. ولم ينتقم منهم، ولم يعاملهم عينًا بعين ولا سنًا بسن. بل قال لهم: "لاَ تَخَافُوا... أَنْتُمْ قَصَدْتُمْ لِي شَرًّا أَمَّا اللهُ فَقَصَدَ بِهِ خَيْرًا... فَالآنَ لاَ تَخَافُوا. أَنَا أَعُولُكُمْ وَأَوْلاَدَكُمْ... وَطَيَّبَ قُلُوبَهُمْ" (تك50: 19- 21).

أتُرى كان يوسف في مستوى أعلى من الشريعة؟! حاشا.

ولكن اليهود ما كانوا يفهمون الشريعة. فصحح المسيح مفهومهم.

ووصل إلى محبة العدو، والإحسان إلى المبغضين والمسيئين من قبل أن ينادي المسيح بهذه الوصية...

مثال آخر مشابه هو موسى النبي: لما تزوج المرأة الكوشية، تقوّلت عليه مريم مع هارون. فلما وبخهما الرب على ذلك، وضرب مريم بالبرص، حينئذ تشفع فيها موسى، وصرخ إلى الرب قائلًا: "اللهُمَّ اشْفِهَا" (عد12: 13). لم يقل في قلبه إنها تستحق العقوبة لإساءتها إليه، بل صلى من أجلها (عد12: 13).

وهكذا نرى أن موسى النبي الذي نقل إلى الشعب وصية الرب: عين بعين وسن بسن، لم ينفذها في معاملاته الخاصة.

بل نفذ وصية المسيح قبل أن يقولها بأربعة عشر قرنًا: صلوا لأجل الذين يسيئون إليكم. إنه المفهوم الحقيقي لمشيئة الله.

نفس الوضع كان في تعامل داود النبي مع شاول الملك الذي أساء إليه، وحاول قتله أكثر من مرة. ولكن لما وقع شاول في يده، لم يعامله داود بالمثل. ولم يسمع لنصيحة عبيده بقتله. بل قال: "حَاشَا لِي... أَمُدَّ يَدِي إِلَيْهِ لأَنَّهُ مَسِيحُ الرَّبِّ هُوَ. فَوَبَّخَ دَاوُدُ رِجَالَهُ بِالْكَلاَمِ وَلَمْ يَدَعْهُمْ يَقُومُونَ عَلَى شَاوُلَ" (1صم24: 6، 7). بل أن داود بكى على شاول فيما بعد لما مات. ورثاه بنشيد مؤثر، وأحسن إلى كل أهل بيته (2صم1). (2صم9: 1).

إذًا شريعة الله هي هي، لم تنقض ولم تلغ.

والله "لَيْسَ عِنْدَهُ تَغْيِيرٌ وَلاَ ظِلُّ دَوَرَانٍ" (يع1: 17).

إنما السيد المسيح قد صحح مفهوم الناس لشريعة موسى، ووصل بهم إلى مستوى الكمال، الذي يناسب عمل الروح القدس فيهم.

قال: "سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَزْنِ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى امْرَأَةٍ لِيَشْتَهِيَهَا فَقَدْ زَنَى بِهَا فِي قَلْبِهِ" (مت5: 27، 28).

إنه لم ينقض الشريعة. فوصية "لا تزن" لا تزال باقية كما هي. وكل إنسان مطالب بحياة العفة والطهارة. ولكن السيد المسيح وسع فهمهم للوصية. فليس الزنا فقط هو إكمال الفعل بالجسد، بل هناك نجاسة القلب أيضًا. وشهوة الزنا التي تبدأ في القلب وتظهر في حاسة النظر. وهكذا نهى السيد عن النظرة الشهوانية، واعتبرها زنا في القلب. وأمر بضبط حاسة البصر فلا تخطئ.

ولعل هذا يذكرنا بما قاله أيوب الصديق (في العهد القديم):

"عَهْدًا قَطَعْتُ لِعَيْنَيَّ فَكَيْفَ أَتَطَلَّعُ فِي عَذْرَاءَ!" (أي31: 1).

بنفس السمو في الفهم، قال سيدنا يسوع المسيح أيضًا:

"سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَقْتُلْ وَمَنْ قَتَلَ يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْحُكْمِ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَغْضَبُ عَلَى أَخِيهِ بَاطِلًا يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْحُكْمِ..." (مت5: 21، 22).

وصية "لا تقتل"، لا تزال قائمة كما هي، لم تلغ. ولكن السيد المسيح حرم الخطوة الأولى المؤدية إليها، وهي الغضب الباطل... فكل جريمة قتل تبدأ بالغضب، كما أن كل خطية زنا، تبدأ بشهوة في القلب. والسيد المسيح في عظته على الجبل، منع الخطوة الأولى المؤدية إلى الخطية وحرم أسبابها. لم ينقض الناموس بل أكمل الفهم.

الشريعة الأدبية إذًا

لم تنقض، بل بقيت كما هي. وإنما أكمل الرب فهم الناس لها. فوسع مفهومها، وسما بمعانيها. ومنع أسباب الخطية، والخطوة الأولى المؤدية إليها.

بقيت نقطة هامة تختص بالرمز، وما يرمز إليه.

ومن أمثلة ذلك الذبائح الحيوانية، وكانت ترمز إلى السيد المسيح.

خذوا الفصح مثالًا: وكيف كان المحتمي وراء الأبواب المرشوشة بالدم. ينجو من سيف المهلك، حسب قول الرب: "وَيَكُونُ لَكُمُ الدَّمُ عَلاَمَةً عَلَى الْبُيُوتِ... فَأَرَى الدَّمَ وَأَعْبُرُ عَنْكُمْ فَلاَ يَكُونُ عَلَيْكُمْ ضَرْبَةٌ لِلْهَلاَكِ" (خر12: 13). وكان الفصح رمزًا للسيد المسيح، فيقول القديس بولس الرسول: "لأَنَّ فِصْحَنَا أَيْضًا الْمَسِيحَ قَدْ ذُبِحَ لأَجْلِنَا" (1كو5: 7).

صار المسيح هو الفصح، وهو أيضًا ذبيحة المحرقة، وذبيحة الخطية، وذبيحة الإثم، وذبيحة السلامة. لم تلغ الذبائح، إنما كملت في المسيح.

وكذلك الأعياد ورموزها، وباقي قواعد النجاسات والتطهير.

دم الذبائح كان رمزًا لدم السيد المسيح. ولا يزال المذبح موجودًا في العهد الجديد، ولكن ليس لذبائح حيوانية، وإنما لذبيحة المسيح ودمه الذي "يُطَهِّرُنَا مِنْ كُلِّ خَطِيَّةٍ" (1يو1: 7).

والكهنوت الهاروني في العهد القديم، كان يرمز إلى كهنوت ملكي صادق كما قيل في المزمور "أنْتَ هُوَ الكاهِنُ إلَى الأبدِ عَلَي طَقْسِ مَلْكي صادَق" (مز110: 4). وهكذا لم يلغ الكهنوت، ولكنه "قد تغير" (عب7: 12).

بقيت الشريعة. ولكن لما أتي المرموز إليه، حل محل الرمز.

قداسة البابا شنوده الثالث

قداسة البابا شنوده الثالث، سنوات مع أسئلة الناس: أسئلة في الكتاب المقدس. الكلية الإكليريكية بالعباسية – القاهرة.