الجواب
إن الرب لم يمدح كل تصرفاته. إنما مدح فقط حكمته...
ولذلك فإن تكملة الآية المذكورة هي "فَمَدَحَ السَّيِّدُ وَكِيلَ الظُّلْمِ إِذْ بِحِكْمَةٍ فَعَلَ"... وذلك أن هذا الرجل استعد لما يأتي عليه في المستقبل قبل أن يخرج من وكالته. وهذا الاستعداد يرمز في مثل وكيل الظلم إلى الاستعداد الواجب لنا من نحو الأبدية، قبل أن نخرج من هذا العالم.
والرب بهذا المثل يبكتنا بالحكمة التي عند أهل العالم...
فإن كان أهل العالم - على الرغم من خطاياهم - لهم مثل هذه الحكمة، فإن أبناء الله ينبغي أن يكونوا حكماء أيضًا. لذلك بعد مدحه لوكيل الظلم على حكمته، قال مباشرة: "لأَنَّ أَبْنَاءَ هَذَا الدَّهْرِ أَحْكَمُ مِنْ أَبْنَاءِ النُّورِ فِي جِيلِهِمْ" (لو16: 8). الرب إذًا يبكتنا بوكيل الظلم، الذي هو من أبناء هذا الدهر، ولكنه يعرف أن يستعد لمستقبله...
وهناك نقطة هامة جدًا، نقولها في هذا المثل وأمثاله، وهي:
هناك نقطة تشبيه محددة، لا نخرج عنها إلى التعميم...
فمثلًا إن امتدحنا الأسد، لا نمتدح فيه الوحشية والافتراس، إنما نمتدح القوة والشجاعة. وإذا شبهنا إنسانًا بالأسد، فلا نقصد إنه حيوان، ومن ذوات الأربع، إنما نمتدحه على شجاعته وقوته. كذلك في مثل وكيل الظلم، المديح على نقطة واحدة محددة وهي الحكمة في الاستعداد للمستقبل، وليس كل صفاته الأخرى.
هنا ونقدم مثالًا آخر، تتضح فيه هذه النقطة بقوة:
الحية، التي هي سبب كوارثنا كلها، بإسقاط أبوينا الأولين، وجد الرب فيها صفة جميلة يمكننا التشبه بها فقال:
"كُونُوا حُكَمَاءَ كَالْحَيَّاتِ... " (مت10: 16).
فهل نتشبه بالحية في كل شيء، وهي مثال الخبث والدهاء والشر؟! أم أنه توجد هناك نقطة واحدة محددة، وهي الحكمة، امتدحها الرب، وأصبح التشبيه والاقتداء محصورًا في حدودها هكذا مع وكيل الظلم في حكمته.
قداسة البابا شنوده الثالث